د. عصام بطران

الخرطوم وتحديات موازنة البرامج

 حينما نتحدث عن الخرطوم "الولاية" يجب ان تتم مراجعات ومقاربات حول المفهوم الاصطلاحي لـ"الولاية" مقارنة مع مثيلاتها من ولايات السودان الاخرى فالخرطوم هي مركز للثقل السياسي والسكاني والمكون الاجتماعي ومستوى حجم الخدمات من صحة علاجية وبيئية وتعليم وبنى تحتية متمثلة في خدمات المياه والكهرباء والطرق والجسور والمواصلات .. فهي الكبيرة في كل شيء عدا المساحة ما جعل على عاتقها عبئاً ظلت تتحمله في الكلفة الادارية والتشغيلية للخدمات ومعالجة افرازات النزوح من الولايات الاخرى اضافة الى كلفة الخدمات الموجهة نحو مكونات الحكومة الاتحادية التي يقصدها الزائرون من وفود رسمية واجنبية وذلك بخلاف النزوح الترددي اليومي "المؤقت" لاغراض الدراسة والعمل من والى الولايات المجاورة للعاصمة .. في ذلك الخصوص اذكر تعليقاً للوالي الاسبق الدكتور عبدالرحمن الخضر حينما تلى تقريراً رسمياً يوضح تعداد السكان بولاية الخرطوم قال فيه : لـ"الولاية ثلاثة ارقام مختلفة لعدد سكانها .. الاول في فترة الصباح الى المساء .. والثاني ليلاً والثالث خلال ايام العطلات الرسمية والاعياد" .. بالفعل تتحمل الخرطوم اعباءً اضافية لم تنصفها القسمة المعيارية للموارد مع نظيراتها من الولايات الاخرى خاصة معيار القرب من المركز الذي منح ولاية الخرطوم "صفر معياري" بينما يمثل هذا المعيار عبئاً اضافياً عليها بحكم الكلفة الادارية والتشغيلية لوجود "المركز" ضمن حدود الولاية ..
 فرضت تلك الاعباء الاضافية على ولاية الخرطوم واقعاً من الالتزامات الضرورية تحتاج الى حشد الموارد عبر التطوير الافقي للمواعين الايرادية .. الذي ينظر للكتلة النقدية والافتراضية لميزانية العام المالي لولاية الخرطوم يجدها تعادل ميزانية خمس ولايات مجتمعة بينما الدعم الاتحادي الذي تتسلمه لا يساوي خُمس ما يذهب الى تلك الولايات .. الجهد الذي تبذله الخرطوم العاصمة في اعداد مشروعات الموازنة وتنفيذ تفاصيل الميزانية وفق نهج "الاعتمادات والبنود" على مدار العام المالي هو جهد خارق مقارنة مع شح الموارد وضعف الدعم الاتحادي مقابل تنامي متطلبات التنمية والخدمات .. لذلك يعتبر الانتقال الى نمط موازنة "البرامج والاداء" المعنية بتوجيه المورد المالي المخصص للبرنامج والنشاط وقياسه بمستوى الاداء يعد خطوة هامة في طريق ربط المخصص من الموارد مع تقييم الاداء الفعلي للبرامج والأنشطة والمشروعات التنموية والخدمية والانتاجية وهذا يعني باختصار تقليص المخصص لـ"ميزانية التسيير" لترتبط بتنفيذ البرنامج المخصص له المورد .. ما يكسب نظام موازنة "البرامج والأداء" اهمية قصوى في تحسن العلاقة بين عملية الموازنة والمشروعات المطروحة وفق الخطة العامة لتحقيق التنمية المستدامة على مستوى ولاية الخرطوم من خلال التوزيع الافضل للموارد والتأكد من كفاءة وفاعلية الانفاق العام واعادة ترتيب اولوياته بجانب النهوض بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وتحقق المزيد من الانضباط المالي للجهات الحكومية عن طريق الرقابة المالية والعدالة والشفافية والمساءلة ..
 التحديات التي ستواجه ولاية الخرطوم في موازنة عام الاساس ٢٠١٩م للانتقال من موازنة "البنود والاعتمادات" الى "موازنة البرامج والاداء" كنمط جديد لادارة الكتلة المالية تتمثل في ارتباطها بمشروعات التنمية الجديدة والمستمرة وما سيلازم تلك المشروعات من تفلتات الاقتصاد الكلي وارتفاع معدل التضخم وتصاعد الفجوة بين سعر العملات الصعبة والعملة المحلية وما يصحبه من تغيرات فجائية في السوق يقابلها ارتفاع في اسعار مدخلات المشروعات المحلية والمستوردة وهذا يؤدي الى "تقزم" المخصص المالي للمشروع ما يحول دون تنفيذه على ارض الواقع .. التحدي الثاني الذي سيواجه موازنة الاداء والبرامج بولاية الخرطوم هو معاش الناس والتوسع في تغطية احتياجات المواطن وكبح اثار الفقر وتمويل المشروعات الانتاجية التي تسهم في تخفيض الاسعار وتقريب الفجوة بين المنتج والمستهلك وكلها عبارة عن معالجات مرتبطة بالدعم المقدم للسلع الاستراتيجية .. وتحد اخر يواجه نمط الموازنة الجديد هو تأمين استحقاقات العاملين البالغ عددهم ١٠٥ الاف عامل بولاية الخرطوم في ظل التوجه العام بعدم زيادة الاعباء الضريبية على المواطن واحتمالية زيادات طفيفة متوقعة في تعويضات العاملين .. وهناك تحد اخر يتعلق بالاحتياجات التدريبية للنظام الجديد وضرورة اقترانه باضافة مسارات تدريبية مكثفة في ادارة المشروعات لفريق تنفيذ الميزانية على مستوى الوحدات اضافة الى ادخال تعديلات جوهرية في لائحة الاجراءات المالية والمحاسبية لدعم النمط الجديد .. اما التحدي الاهم الذي سيواجه موازنة الاداء والبرامج بولاية الخرطوم هو "مقاومة التغيير" من محبي النمط القديم الذي اصبح راسخاً ومتمكناً في عقلية الاجهزة المالية والحسابية والرقابية وكذلك الدوائر السياسية والتنفيذية الذين يميلون الى "آفة" ترحيل الاموال المرصودة في النمط القديم "موازنة الاعتمادات والبنود" الى مشاريع اقل أهمية لاعتبارات سياسية ومناطقية حيث ينأى النمط الجديد "موازنة البرامج والاداء" بمتخذ القرار المالي عن صرف المبالغ المرصودة الا في حدود الأنشطة المخصصة للبرنامج ..
 عقب اجازة مجلس وزراء حكومة ولاية الخرطوم لمشروع موازنة العام ٢٠١٩م - الامر الان بين يدي البروفسيور صلاح علي احمد وزير مالية الخرطوم الذي يجمع بين الخلفية الاكاديمية والتنفيذية والسياسية الملمة بتفاصيل وتعقيدات النمط الجديد اذن الفرص متاحة لمواجهة تلك التحديات .. ولكن لعبور آمن للموازنة في عام الاساس لابد من مرحلة انتقالية مرنة تتطلب تطوير اساليب قياس الاداء في كل وحدات الولاية المالية حيث يظل الكادر البشري المؤهل هو العامل الحاسم اضافة الى ضرورة اعداد نظام تنفيذي مختلط يجمع بين النماذج الاربعة لاعداد الموازنات العامة "البنود، الصفرية، البرامج والاداء، التعاقدية" للمساعدة على تجاوز المرحلة المعقدة التي تواجه الاقتصاد الكلي ومواءمتها مع الدستور والقوانين التي تعتمد النظام القديم "الاعتمادات والبنود" لإيجاد وسائل تنفيذية مختلطة تجمع بين موازنتي "الاعتمادات والبنود" و "البرامج والاداء" يقابلها التزام بتقديم التقارير عن النتائج المتحققة بصورة دورية خلال مرحلة الانتقال .