د. عصام بطران

تراجع الأداء المؤسسي في الولايات

 كما المثل القائل: "كتلوك ولاجوك جوك" يبدو الآن حال الأداء المؤسسي بالولايات أكثر ريبةً وتوجساً، انتظاراً لمخرجات "الهيكلة" في أجهزة الحكم على المستوى الولائي والمحلي .. منذ أكثر من شهر مضى، ظلت الولايات تعاني من تواضع في الأداء إن لم يكن تراجعاً وكل الطاقم الدستوري ظل في حالة ترقب وانتظار.. ويحكي لي ناشط معاصر لحركة التغييرات الوزارية، أن أحد الوزراء أسرَّ له بتوقفه عن اتخاذ أية قرارات تصب في صالح العمل العام طيلة فترة "الترقب والانتظار" للتشكيل الوزاري الجديد، وأكد لي أن ذاك الوزير المشهود له بـ(الكر والفر واللعب النظيف) في الملعب السياسي، بات في حالة سكون مُطبق وحالة من اللا مبالاة تجاه القضايا الساخنة التي تحتاج الى الحسم الفوري.. وختام حديث صديقي ملئ بالمفاجئة حينما سأل الوزير عن أسباب انزوائه وسكونه غير المعتاد، فكشف له عن الأسباب في إجابة ذكية استخدمت كل مفاهيم "التكتيك" الميداني في التعامل مع المرحلة قائلاً: "اتخاذ قرار خاطئ بحسن نية يعني التعجيل بالرفتية" .. هذا هو الحال الراهن في دولاب العمل بالوزارات والمحليات وأجهزة الحكم المختلفة في ١٨ ولاية وأكثر من ١٨٩ محلية ومئات الأجهزة والهيئات والمؤسسات والدواوين والمصالح الحكومية بالولايات.. إذ ظل الركود يخيم على الأداء المؤسسي في انتظار "الهيكلة" التي ستفضي الى إجراء عمليات جراحية وميكانيكية ربما تطيح بعدد كبير من الوزراء والمعتمدين عبر "الفك والتركيب والدمج والإلغاء والحل" .. والجميع "حكام ومحكومين" يتوقعون اي "سيناريو" يجعلهم خارج دائرة الفعل السياسي والتنفيذي ..
 شهد الحكم اللامركزي "ولائياً" الكثير من التجارب للوصول الى صيغة تفضي الى وصول خدمات الأمن والصحة والتعليم والاهتمام بمعاش الناس وتنمية وتطوير العلاقات السياسية والمشاركة في السلطة بصورة سلسة الى المواطن بدلاً عن سعيه لطلبها في المركز.. فانتقلت التجارب من نظام المديريات ثم المحافظات مروراً بالأقاليم ومن بعد الولايات ثم المعتمديات او المحليات حيث بلغ عدد الأقاليم "تسعاً" اعتمدت في تقسيمها على الخصائص الجغرافية والمناطقية والجهوية والقبائلية والثقل السكاني، ثم الولاء السياسي حتى بلغ عدد الولايات قبل انفصال الجنوب ٢٦ تضم ٦٦ محافظة ثم جاءت المحليات على رأس كل ولاية نحو ٦ الى ٧ محليات.. ثم تقلص عدد الولايات بعد الانفصال الى ١٧ ولاية وأضيفت إليها لاحقاً ولاية أخرى لتصبح ١٨ ولاية.. ولكنها توسعت كثيراً على مستوى المحليات التي تجاوزت ٢٠ محلية في بعض الولايات .. وتشكلت المحليات من وحدات إدارية جديدة حتى بلغ عددها في بعض المحليات ١٦ وحدة إدارية.. وبحسب إحصاء حسابي غير دقيق فقد تجاوزت جملة أعداد الدستوريين والتشريعيين بالولايات ١١٠٠ دستوري "والي ووزير ورئيس مجلس تشريعي ورؤساء لجان بالمجالس التشريعية ومعتمد جغرافي ومعتمد برئاسة الولاية ومستشار" .. هذا غير الذين يتقاضون مخصصات وزارية وهم من يتم تعيينهم بدرجة الوزير لممارسة ملفات كانت تتبع في الاختصاص لإحدى الوزارات ..
 توجه الدولة الى تقليص الوزارات الولائية والمحليات ومن ثم الوحدات الإدارية لا ينفصل على برنامج إصلاح الدولة الذي يهدف الى تقليل الإنفاق الحكومي العام وتبني نهج تقشفي في تكلفة الحكم.. ولكن يعتبر الأداء العام في الولايات هو المحصلة المتكاملة لنتاج أعمال الحكومة الاتحادية وتفاعلها مع البيئة الداخلية المحيطة وهي "المواطن" حيث ينعكس الأداء المؤسسي بالولايات بصورة او أخرى على مستوى الخدمات .. فالأداء المؤسسي في أطار البيئة الاقتصادية والاجتماعية والخدمات هو أداء يتقاسم مناصفة مع السلطة التنفيذية السياسية "الوزير - المعتمد" وفي حال تراجع أدائها يتعطل النصف المهم في العملية الإدارية وهي جانب اتخاذ القرار مما يصاحبه شلل تام في وسائل التنفيذ في كل وحدة تنشد تحقيق الكفاءة والفعالية وعلى مستوى مناسب من الجودة لراحة المواطنين ..
 الذي يحدث الآن تدنٍ وتراجع وبطء في الأداء العام بالولايات ناتج عن انتظار إكمال لجان "الهيكلة" لأعمالها وإعلان التشكيل الوزاري على المستوى الولائي والمحليات .. жيجب أن تنتهي وبسرعة حالة "الانتظار والترقب" الذي انعكس على مستوى الخدمات المقدمة للمواطن، علماً بأن العام المالي الحالي في خواتيمه، معلناً عن دخول العام ٢٠١٩م.. ومن أحد المطلوبات المهمة لإعداد الموازنة жالاستقرار السياسي وضخ الدماء في شرايين العمل العام. فالوظيفة يجب أن تكون تكليف لا تشريف وخدمة عامة لا مكافآت و"كوتات" كما ظل الوضع حتى الآن .. نتطلع أن تكون هناك محفزات على الأداء العام وإصلاحه حقيقة وليس تسمية.. وأحسب أن قرار الدولة بإعادة النظر في تجربة الحكم المحلي، هو قرار صائب يصب في صالح إزالة الفوارق والترهل الذي لازم الأداء المؤسسي في أجهزة الحكم الولائي، ولكن ينقصه التكتيك الزماني والمكاني الخاص بإعلان القرار.. فكان من المفترض عدم التصريح بقرارت هيكلة الحكم الولائي وإعلانها ما لم تكتمل أعمال اللجان الفنية الخاصة بالرؤية الكلية للدمج والإلغاء للوزارات والمحليات لتأثيره البالغ في تراجع الأداء المؤسسي في الولايات والمحليات .. والصدق في القول ينبئ الوضع بمزيد من التراجع في الأداء كلما تطاولت فترة إعلان قرارات "الهيكلة" ووضوح الرؤية.. فهناك وزارات ومحليات أغلقت أبوابها بـ"الضبة والمفتاح" منذ أكثر من شهر ولسان حال مواطنيها يلهج بـ"يوم بكرة ما تسرع ..." .. والحل يكمن في إنجاز "الهيكلة" لإعادة الطمأنينة والاستقرار الى المؤسسات الولائية للتفرغ الى المرحلة المتبقية من حكومة البرامج والأداء المحددة بـ"٤٠٠ يوم" مضى منها "٣٥ يوماً" دون إنجازات منظورة على أرض الواقع في الولايات..