د. عصام بطران

ريادة المشروعات الإنتاجية الصغيرة

 أمم نهضت وباتت تتبوأ مكانا مرموقا في مجال ريادة الأعمال عبر بوابة الانتاج الصغير الذي يعد من المناشط الاقتصادية ذات الاثر السريع والناجع لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي ترتكز بشكل مباشر على البيئة المحيطة او الطبيعة .. فقط يتطلب الأمر اتخاذ اجراءات ودعامات تساعد على تحويل وتغيير بعض الموارد المتاحة لتصبح مفيدة وصالحة للاستخدام الانساني فالموارد المتاحة تتضمن المورد البشري والارض وما في باطنها من موارد طبيعية تنتظر الجهد للتحويل والتصنيع .. ثم يأتي رأس المال ليكمل دائرة الريادة عبر الأفكار الجديدة المنتقاة .. ويشكل التمويل اداة فاصلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي النسبي للدولة حتى تتمكن من الاعتماد على نفسها في إنتاج العديد من السلع الصناعية والزراعية والاستهلاكية وكافة اشكال الخدمات، وبذلك تتمكن من تطوير ذاتها وتصل الى رفاهية شعبها ويجنبها فاتورة الاستيراد من الخارج حيث يتم استغلال الموارد الطبيعية والبشرية والطبيعية المتاحة وتشغيلها عن طريق الأيدي العاملة لتوفير الاحتياجات الضرورية وترفع معدل الاستثمار بصورة ايجابية ويزيد من قدراتها التنافسية ويحقق لها القوة .. من خلال مشاهدتي لنماذج تعضد فكرة ريادة الإنتاج الصغير اطلعت خلال الأسابيع الماضية على جهود تعد خطوة في طريق الألف ميل نحو تبني المنهج وذلك لما ظلت تطرحه هيئة تنمية الصناعات والأعمال الصغيرة بولاية الخرطوم من مشروعات نوعية تستهدف التبشير بثقافة الانتاج الصغير والعمل الانتاجي الحر القائم على الأفكار الجديدة والوقوف خلفها حتى باتت حقيقة ماثلة ..
 أعلنت الهيئة ان جهدها قد تكلل بالنجاح في احد  مشروعات ريادة الأعمال في الإنتاج الصغير وهو المزرعة المتكاملة لانتاج الأسماك بمشروع سندس الزراعي في مساحة تجاوزت الـ ٦٥ فدانا حيث أعلنت الهيئة عن بدء الاستعداد للصيد والتسويق لحوالى ٢٠ طنا من اسماك «البلطي» المحببة للمستهلك المحلي وأفصحت عن التفاوض لبيع كميات مقدرة من الأسماك للمصدرين والمستهلكين عبر مؤسسات العاملين التعاونية والمجمعات الاستهلاكية ولم تتوقف الهيئة عن توسعها في هذا المشروع الرائد بل أعلنت ايضا ان هنالك كميات اكبر بكثير ستطرح عبر شراكة بينها ومؤسسة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم والتي تعمل في تمويل الاسر المنتجة عبر صيغة التمويل الأصغر كتجربة ناجحة وبسعر في متناول الأيدي .. وفي نفس الوقت يعتبر تسويقا ونجاحا للهيئة في تطوير الأعمال في اطار موجهات الدولة لتنمية قطاع الصادر للحصول على العملات الاجنبية وإعلاء قيمة الانتاج والانتاجية وتوفير سلع مقبولة السعر للمواطنين عبر البيع المباشر من المنتج للمستهلك .. اضافة الى ان استزراع الأسماك يغطي فجوة السوق من الاسماك الطازجة من المصادر الطبيعية «النيل» في شهور ديسمبر يناير وفبراير وهي فترة «الشتاء» حيث يقل المعروض محليا لذلك يتجه السوق الى سد النقص من مزارع الاسماك الاصطناعية وباسعار مجزية للمنتج والمستهلك على حد سواء مما سينعكس إيجابيا على الوضع الاقتصادي بطريقة مباشرة ..
 تغيير النمط الاستهلاكي عبر العديد من الخيارات والبدائل مثل انتاج الاسماك التي توجد بها كل متطلبات واحتياجات الجسم تحتاج الى جهد متواصل، كما حدث في مسألة انتاج الدواجن والتحول الاستهلاكي المقدر الى اللحوم البيضاء فـأصبح الفراخ منافسا للحوم الحمراء بالمائدة السودانية بعد ان كان في الماضي حصريا على لاسر ميسورة الحال .. اذكر حينما ظهر والي الخرطوم الاسبق د. عبدالحليم اسماعيل المتعافي وهو يأكل «دجاجة محمرة» على شاشة التلفزيون ضج الناس بالتعليقات السالبة والمتهكمة ولكنهم لم يكن يعلمون ما يخطط له الرجل من تغيير النمط الاستهلاكي الغذائي من اللحوم الحمراء الى اللحوم البيضاء، وبالفعل تم التخطيط الاستراتيجي الطويل للوصول الى هذه الغاية والنتيجة الماثلة الآن إغراق السوق بمنتجات الدواجن ولولا تلك الاستراتيجية لكان سعر كيلو الفراخ الآن ٣٠٠ جنيه ودون ذلك بيض المائدة .. حتى دخلت ساحة التنافس فيه حرب تسويقية شرسة خلال الاسبوع الماضي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي في ترويج مخل من اصحاب الشركات الكبيرة التي نظمت جهودها لمحاربة المنتجين الصغار وذلك بعد ان انخفضت اسعار بيض المائدة بالطرق الرئيسة في محاولة منهم لرفع سعر المنتج من البيض والفراخ والتحكم في آلية السوق لعودة جموح أسعاره في غير مصلحة المواطن ..
الآن وبنفس الطريقة يمكن تعميم تجربة الاستزراع السمكي في كل انحاء الولاية لما بها من مواقع وبيئة انتاجية صالحة خاصة في محليتي شرق النيل وجبل اولياء ..
 مبادرات ظلت تطلقها هيئة الصناعات والأعمال الصغيرة على كابينة قيادتها د. عبد السميع حيدر الذي دائما يفاجئ الجميع بمشاريع مبتكرة تخرجنا من دائرة المحاكاة النمطية في مشروعات الانتاج الصغير قبيل: امجاد .. ركشة .. محل اتصالات .. وغيرها من المشروعات التي لا تسهم في دفع عجلة الانتاج، ولو قدر لمبادرة مشروع استزراع الاسماك النجاح ونحن نملك مسطحات مائية تمكن من تميز المشروع حيث سبق ان أسهمت ولاية الخرطوم في نقل التجربة الى بحيرة عذبة وسط المحيط الهادي في دولة جزر القمر حملت اليها ضمن اتفاقية التوأمة من الخرطوم عدد ٦ أزواج سمك «بلطي» وتم انزالها في البحيرة وكنت أحد الشهود في معية المهندس/ هاشم عبدالمطلب منسق التوأمة بين العاصمتين حينما تم قذفها داخل البحيرة .. والشاهد الآن كل جزيرة «موروني» عاصمة جزر القمر تأكل منها سمك «البلطي» نادر الوجود وسط مياه المحيط المالحة ..
 إذن التجربة رائدة ولكنها تحتاج الى بنية تحتية تدعم المشروع وترفع من قيمته التسويقية .. اولا: إنشاء مخازن مبردة في تجمع البحيرات الاصطناعية لحفظ المنتج قبل بدء بورصة التسويق .. ثم دعم المشروع بشاحنات مبردة لنقل المنتج الى ميناء الصادر املاً في وصوله الى نقطة التصدير طازجا خلال ٢٤ ساعة .. اضافة الى قيام سوق مركزي للأسماك في موقع الانتاج يحمي المستهلكين من جشع السماسرة يتم التسويق فيه على نظام المزاد العلني المفتوح .. ثم أخيرا الاستفادة من خريجي الانتاج الحيواني وتنظيمهم في مجموعات لتطوير الدراسات الحقلية وإيجاد منافذ لتمويلهم ليكونوا نواة حقيقية تدعم الإنتاج وتخفف من البطالة .. الساحة مهيأ لها القدرة على الصمود في وجه التحديات والتعقيدات التي ترافق شراسة المنافسة وعدائية المنتجين الكبار الذين يسعون الى استنزاف المنتج الصغير والحيلولة دون رفع مستوى دخل الفرد، وبالتالي المساهمة في رفع الدخل القومي المحلي والإجمالي، ويؤمن الحياة الكريمة لهم ويحقق مستوى من الرفاهية يقلل من معدل الجريمة ويخفف من حدة المشاكل الاجتماعية الناتجة عن الفروقات الطبقية كمل يقلل من معدل الهجرات إلى الخارج بحثاً عن العمل والحياة الكريمة  ...