كتاب الرأي

د. عصام بطران

صراع المفاهيم الاستراتيجية

استخدام مصطلح إستراتيجية في وقتنا الحالي يحيطه الغموض في معناه ومفهومه، ومن هنا تأتي ضرورة تحديد هذا المفهوم أو تعريفه بشكل دقيق محدد حيث يمكننا القول مهما اختلفت الاستخدامات فالمعنى يتصل بالنظر الى المستقبل من خلال الواقع الراهن ،وفي هذا الاتجاه اهتمت الإدارة ومنظروها أيما اهتمام بشأن التخطيط وما يلعبه من دور في التنمية وتطوير منظمات الأعمال .. دخول التخطيط كأحد اعمدة الإدارة ادى الى تقدم مفاهيم الاستراتيجية وتطويرها من منظورها العسكري في بداياتها ، حيث كان حصرا على فنون التخطيط للمعركة وتحريك القوات وادارة ميادين القتال الى اسهامها في الحياة المدنية، وقد نهضت الادارة الاستراتيجية بكثير من كبريات المؤسسات على الصعيد العالمي ولم يقتصر مجال التخطيط على الادارة الاستراتيجية فحسب، بل تخطاها الى التخطيط الاستراتيجي في منظمات الأعمال ثم تطورت الأفكار لدخول التخطيط الإداري الى منظومة تخطيط طويل المدى, أي ما عرف بالتخطيط الاستراتيجي .. أما على مستوى الدولة والعلاقات الدولية فبرز التخطيط الاستراتيجي القومي كإحدى ثمار التخطيط المهمة لبقاء الدولة وتنمية قدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية وامتلاكها القوة الشاملة وإكسابها المزيد من النفوذ في مجالها الحيوي حفاظا على مكتسباتها وثرواتها وضمان رفاهية مواطنيها وتحقيق سيادتها وأمنها القومي .. 
لم يعد مصطلح الاستراتيجية قاصرا على الاستخدامات العسكرية فقط, بل تطوره الجيني أدخله في جميع المجالات خاصة السياسية والعلاقات الدولية وشؤون الامن القومي للدلالة على الكيفية التي تواجه بها او تدار بها الصراعات بين القوى المتضادة والمتحالفة، وكيفية استغلال كل طرف لعناصر قوته وعناصر ضعف خصمه من اجل تحقيق النصر عليه "مدنيا" ..  وتهدف الاستراتيجية الى التعاون بين قيادات الدولة في جميع ضروب الاستراتيجيات وإعداد البحوث الأكاديمية الاستراتيجية لقطاعات الدولة المختلفة وفك تشابك العلاقات الدولية المتعلقة بها على وجه التحديد وصد مخاطر الجوار الاقليمي المهدد والاطلاع على أهداف الاستراتيجيات الاقليمية والدولية .. كل ذلك مؤشر يؤكد ان التخطيط الاستراتتيجي هو سلوك يسبق فيه "التفكير" "التصرف" بمسافة تتجاوز الجزء من الكل. ففي حالة التخطيط طويل المدى يبدأ التصرف من الثانية ويمتد الى عشرات السنين .. وتهدف عملية التخطيط الى بلورة رؤية واضحة تحفز العاملين فيها وتوحد جهودهم وتنير طريقهم وتحثهم على تقديم أفضل ما لديهم من قدرات وتشعرهم بالاعتزاز والاطمئنان الى مستقبل منظمتهم أو كيانهم .. وعلى خلفية هذه الرؤية تبنى الأهداف التي ينبغي ان تكون واقعية ومتناسقة وقابلة للقياس وتعين على التركيز على البقاء الطويل والشامل للمنظومة ..
يحقق التخطيط فوائد متعددة أهمها تنبؤ المستقبل وتحديد الأهداف باستخدام أمثل للموارد وطرق قياس الأداء واتخاذ القرارات الرشيدة لتحقيق الرضا ونجاح العمل الجماعي. ويعتبر التفكير الاستراتيجي صفة مميزة لمخططي وراسمي الاستراتيجية،  لذلك يجب ان يعطى أهمية قصوى. فالتفكير الاستراتيجي يعني جملة من الآراء والأفكار يعبر بواسطتها الشخص الاستراتيجي عن مثله وقيمه ومعتقداته وطموحاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والأمنية ، ومن ثم رؤيته للبيئة المحلية والإقليمية والدولية فهو مجموعة من التصورات والآراء والنظريات ترتبط معنويا بالوسط الذي يعيش فيه المفكر الذي يشكل المرجعية الاساسية للتفكير الاستراتيجي, وهنا يكمن مصدر الصراع المفاهيمي للاستراتيجية وذلك باختلاف منهج التفكير الاستراتيجي عن التفكير العادي, حيث ان المفكر الاستراتيجي يرى في مفهوم التخطيط الاستراتيجي القومي مدخلا علميا منهجيا لتعريف المفهوم حسب وجهته التخصصية واتجاهاته الوظيفية أو لتحقيق أهداف الدولة لفترة زمنية تحدد على المدى البعيد وفي إطار واقعها وإمكاناتها الراهنة إضافة الى مجالات التعاون الاقليمي والدولي الواقعية التي يمكن تحقيقها ومدى قابليتها للقياس والمتابعة والتدقيق بقصد تطوير وتأمين قوى الدولة الوطنية الشاملة .. من هذا المدخل نشأ صراع "المفاهيم الاستراتيجية" بسبب تعدد المهام في كل طبقة من طبقات التخطيط الإستراتيجي بحكم أن التخطيط الاستراتيجي القومي تطور منطقي للاستراتيجية بمفهومها القديم وللتخطيط الاستراتيجي والتخطيط الإداري، فجميع أنواع التخطيط ثمرة من ثمار التفكير العميق نحو بناء مستقبل زاهر للشعوب ولكن ثمة فروقا واضحة بين أنواع التخطيط "اداري – استراتيجي – قومي"  ولكنها جميعها تجتمع عند فلسفة النظرة الثاقبة نحو تمكين الحاضر وبناء المستقبل، لذلك الدعوة موجهة للمفكرين الاستراتيجيين الى إيجاد مفاهيم تتفق مع كل المجالات الإستراتيجية لخدمة علوم "استشراف المستقبل" ..
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

561 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search