كتاب الرأي

د. عصام بطران

عبدالرحيم - هاشم والتسليم على طريقة "فرش المتاع"..

 للمؤسسة العسكرية قوانين ولوائح ذات أصول راسخة في مسائل إثبات العُهد وإجراءات التسليم والتسلم بين قائد امتطى صهوة جواده، وبين آخر ترجل.. بينما تظل عمليات التفتيش الراتبة والمفاجئة عنصر مهم من عناصر الضبط والربط داخل فصائل تلك القوات الأكثر نظاماً وتنظيماً في التراتيبية الإدارية على الإطلاق .. وإجراءات "التسليم والتسلم" على طريقة "فرش المتاع" تعد من أهم الوسائل الحاكمة لضبط "جرد" العهدة في الجيش .. وليعلمن "الملكية" ممن لم يلتحقوا بمعسكر الشهيد عيسى بشارة، بالقطينة وأن "فرش المتاع" - غير عهدة السلاح وتوابعه - يشمل كل المهمات العسكرية من ملبس وفرش "نمرة" ويصل الى فرشاة الأسنان وغيرها من أواني المشرب والمأكل "التعيينات" .. لأن استلامها وتسليمها يرتبط ارتباطاً وثيقاً باستمارة خلو الطرف وأوامر التحرك.. وقصة "عبدالرحيم" و"فرش المتاع" لها مذاق آخر. فالرجل مولع بحب العسكرية الى حد النخاع، حيث ظل يتأبط عصاته "المهوقني" أكثر من ٤٥ سنة جندياً مخلصاً حتى صار اسمه عند أحبابه ومريديه "أب عصاية".. ولكنه بمجرد خلعه "الميري" ترك "عصاته" مع "فرش المتاع" دلالة على قدسية الإجراءات والانتقال من ميدان العسكرية الى حياة المدنيين المليئة بـ"الدغمسة" و"الغباش" .. بيد أن الجيش واضح كالشمس في رابعة النهار "بيان بالعمل" ..
 ليس هناك من سبب يدعو الى الاعتقاد بأن إجراءات "التسليم والتسلم" التي تجري هذه الأيام في ولاية الخرطوم هي إجراءات اعتيادية بين سلف وخلف .. ولكن ما يميزها أنها المرة الأولى التي تجري فيها عملية "تسليم وتسلم" بين واليين ينتميان الى المؤسسة العسكرية، فهي المرة الأولى التي يكون فيها "السلف والخلف" على كرسي حاكم الخرطوم من نفس الخلفية المهنية ومن نفس الرتبة العسكرية مع حفظ -الأسبقية - فبينما الفريق أول ركن مهندس/ عبدالرحيم محمد حسين ينتمي الى القوات المسلحة فأيضاً الفريق أول شرطة/ هاشم عثمان الحسين ينتمي الى قوات الشرطة ولكلتا القوتين تقارب في الاعراف والتقاليد الاجرائية.. كما ايضاً تربطهما الخلفية العلمية كمدخل لممارسة العمل العسكري فبمثل ما كان "عبد الرحيم" مدخله للقوات المسلحة من أحد الأبواب الخلفية للكلية الحربية "مهندسا" بعد تخرجه من "المعهد الفني" لاحقاً "معهد الكليات التكنولوجية" - "جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا" حالياً.. أيضاً كان مدخل "هاشم" من نفس البوابة لكلية الشرطة بعد أن تخرج في كلية العلوم - جامعة الخرطوم متخصصاً في المعامل الجنائية .. إذن.. الرجلين يجمع بينهما من الأفكار والمنهجية في سوابق العمل العام ما يعضد وحدة الرؤية في الترتيبات على "الاستلام والتسلم" بينهما على نسق "فرش المتاع"Ў تلك الطريقة التي تؤكد على أهمية توثيق تسليم العهد من أجل إخلاء المسؤولية التي بحوزة "السلف" وكأنه يشدد على خطورة تسليمها دون الحصول على إخلاء طرف يؤكد انتهاء علاقته بتلك العهدة.. بينما يعظم الإجراء من قدر المسؤولية لدى "الخلف" ويجعله مدركاً لأمانة التكليف ..
 يرى الناس في طول فترة "التسليم والتسلم" بين "الفريقين" أمراً غريباً في عموم خصوصه، ولكن المتأمل في شأن ولاية الخرطوم، يدرك أنها ولاية "استثنائية" وحدث "التسليم والتسلم" فيها حدثاً فريداً .. غير أنها عاصمة البلاد ومركز الحكم، فهي تضم بين حناياها ثلث سكان السودان وحاضنة رئيسة لخدمات الصحة المرجعية ومؤسسات التعليم العالي وطالبي الأمن والأمان في ظل تقلبات الظروف الأمنية في بعض الولايات .. ملفات شائكة في حكومة ولائية تتشكل من أطياف سياسية متفرقة جمعها الوفاق ومخرجات الحوار الوطني على كلمة سواء طوال ثلاث سنوات ونصف عملت خلالها في تناسق وتفاهم يثير الإعجاب .. أكثر من ١٢ وزارة ومجلس أعلى و ٧ محليات و ٥ معتمد ورئاسة "لكل معتمد ملفات مختص بقضائها"Ў ومجلس تشريعي ووحدات تنفيذية وشعبية ومؤسسات ومصالح ودواوين وهيئات وأجهزة وقوات أمنية.. كلها كانت على "فرش المتاع" على طريقة "الاستلام بالقطعة" ولسان حال كل منهم يقول: "هاأؤم اقراوا كتابي" ..
 حرص الرجلين وصبرهما على تطاول مدة "التسليم والتسلم" يؤكد أن هنالك مبدأ واجب النفاذ متفق عليه هو رفض البداية من "الصفر" وإهمال ما تم من خطة إستراتيجية للولاية بدأت ملامحها في ترسيخ ثقافة التخطيط الإستراتيجي، وجعله مفتاحاً لحلحلة كثير من القضايا التي أقعدت بها عشوائية الاداء العام غير المخطط، لذلك أوجدت التقارير المبدئية للتسليم.. فهي ضرورية لأن يبدأ الخلف من حيث انتهى سلفه مع اختلاف وسائل ومناهج السلوك الإداري في تنفيذ الإستراتيجية بحيث أن "لكل شيخ طريقتو" .. "آفة" الإستراتيجيات هي "كنس" آثار السابق والبداية من جديد وكأن لم يكن قبله أي إنجاز حتى ولو بنسبة ١٠% من خطة كانت موجودة أصلاً على أرض الواقع .. ففي تتبع ما بدأه السلف فوائد كثيرة أعظمها تدعيم مسيرة الإنجاز والنجاح بمزيد من الإيجابيات .. وأقلها أن خبرة "الفشل" هي واحدة من الخبرات الأساسية في حياة الإنسان. ففي كل مرحلة اكتشاف جديد يكسبه خبرات "فشل" لولاها لما عرف الصحيح والأفضل بالنسبة إليه فيقرر بذلك العودة والمحاولة من جديد ..
 من المؤكد أن لكل من الرجلين منهج في شأن إدارة شؤون الحكم بالولاية ولكن "عبدالرحيم" أسس لفكر افتقدناه كثيراً في شؤون الدولة والحكم فالرجل منذ أن وطأت قدماه ولاية الخرطوم "كارها" بعد انتقاله من مناحي العمل الوزاري العسكري كانت خطواته ثابتة نحو إكمال ما انتهى عليه سلفه الدكتور/ عبد الرحمن الخضر اولا .. ثم دلف الى تأسيس خطة إستراتيجية للولاية مضاف إليها ما تركه "الخضر" من مشروعات وأنشطة وبرامج.. ولعل الرسالة الأولى التي قصد الوالي الحالي "هاشم" إرسالها هي عملية "الاستلام والتسلم" عن طريق "فرش المتاع" لتصب في نفس خانة إكمال ما بدأه خلفه "عبد الرحيم" من إكمال إنفاذ خطة الولاية الإستراتيجية .. والفريق أول شرطة/ هاشم عثمان الحسين بحكم اطلاعه على حالة الخرطوم الأمنية من واقع عمله لأكثر من ٩ سنوات مديراً عاماً لقوات الشرطة فهو بذلك محيط فيها إحاطة تامة بملفين هما : "الملف الاقتصادي الاجتماعي، الملف الأمني السياسي" .. أما ملفات "الحكم المحلي، الخدمات، البني التحتية، التخطيط العمراني، الصحة، التعليم، الزراعة، الصناعة ... الخ" .. فهو يرغب رغبة أكيدة في التعرف عليها عن قرب .. ولقاءات التنوير و"التسليم والتسلم" بـ"القطعة" سهل عليه مهمته وجعله أكثر قرباً من معرفة مغاليق ومفاتح وهياكل واختصاصات ومهام وحدات الولاية المختلفة ليبدأ رحلة الانطلاق مباشرة ويسهل عليه معرفة جوانب القصور ..
 توافق السلف والخلف على اعتماد "فرش المتاع" نموذجاً لـ"لتسليم والتسلم" بينهما دون "دس المحافير"Ў يعني في خلاصة الأمر "تمرين" تأهيلي للدخول في "الفورمة" ولولا هذه الطريقة المبتكرة لاحتاج الوالي الجديد لشهور عديدة لملمة خيوط الأداء العام للولاية في مرحلة مفصلية تحتاج الى الانطلاق بسرعة نحو تحقيق اهداف المرحلة ومايتبعها من هيلكلة جديدة ستطال مفاصل الولايات والحكم المحلي بالبلاد..

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

535 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search