كتاب الرأي

د. عصام بطران

"قوش" في مركز حياة .. ما وراء الزيارة

 أن يقوم الفريق اول مهندس/ صلاح عبدالله "قوش" المدير العام لجهاز الامن والمخابرات الوطني، بزيارته مفاجئة لمركز حياة لعلاج الادمان والتأهيل النفسي والاجتماعي فان للزيارة ما وراءها !! .. لان المعروف عن اجهزة الأمن والمخابرات العمل في سرية وخفاء لمعالجة الملفات الشائكة .. أما في حال ظهورها العلني أمام عدسات الإعلام والوسائط الالكترونية Ў فذلك يعني إرسال رسائل بعينها في بريد المختصين للاضطلاع بمهام مشتركة نحو معالجة قضايا لا يمكنها علاجها بمفردها .. وفي تقديري ان دخول "الرجل الأول" في الجهاز الى بوابة أحد المراكز المهتمة بعلاج الادمان والتأهيل النفسي والاجتماعي لم تكن إلا لدق ناقوس الخطر عن داء عضال بدأ ينهش في جسد ابنائنا .. طلابنا .. شبابنا .. فلذات أكبادنا التي على الأرض تمشي او هكذا "يقولون" .. فعل بات يهدد الأمة باجمعها ألا وهو تعاطي المخدرات بأشكالها المختلفة تقليدية ومستحدثة وسهلة التداول مثل مركبات العقاقير الطبية التي تستخدم كعلاج مسكن للآلام والعمليات الجراحية والامراض العقلية والعصبية .. فزيارة "قوش" لمركز حياة لمعالجة الإدمان جمعت مابين التحذير من الخطر الداهم للمخدرات، ولفت الانتباه لإيجاد العلاج الناجع .. فبزيارته أوضح خروج الظاهرة من الخفاء الى العلن .. سموم ذهبت الى بطون ابنائنا "نصف الحاضر وكل المستقبل" ومن ثم صعدت الى عقولهم الغضة البريئة لتفعل بها فعل "الأموات" الذين يمشون بيننا وهم لا يعقلون وصاروا بفعلها "جثث" تمشي بين الناس .. سهولة التعاطي بهكذا عقاقير يكمن في انها لاتترك آثارا واضحة اثناء تناولها بمثل ما تتركه من آثار بائنة في حال تعاطي المخدرات عبر الحقن او الدخان من رائحة وغيره من ادوات التعاطي ..  أهم الحلقات التي تستهدف حدوث شواغر للنفاذ من خلالها لتدمير الامم هي حلقة الامن الاجتماعي وذلك من خلال تفتيت تماسك مكونات المجتمع وتصويب سهامها السامة نحو الوجود البشري الاَمن المدافع الاول عن تماسك النسيج الاجتماعي والمحافظ عليه وعلى مصالح بلده من خلال الايجابية الفعالة .. تهدد الامن الاجتماعي مخاوف تحولت الى مخاطر بعد الفشل او التقصير في معالجتها وهي تهم مفاصل الامن الاجتماعي والاقتصادي .. فالامن القومي بمفهومه الشامل لاينكفئ في تأمين الارض من العدوان الخارجي،  ولكنه يشمل أبعادا تمكنه من الولوج حتى في دواخل الامن الانساني الجماعي بمفهومه المجتمعي الشامل الذي يضم مختلف المجالات الحياتية .. قضية الأمن الاجتماعي من منطلق رؤية تحليلية تضم المجالات كافة "جنائي، قومي، سياسي، اقتصادي وغذائي" وبتحقيقه يتحقق للمجتمع الأمن بمفهومه الشامل .. وينظر كثير من الخبراء الاستراتيجيين الى ان قضية الأمن القومي هو قضية كلية بينما يتفرع منه الأمن الاجتماعي كأحد مكونات الامن القومي وهذا صحيح، غير ان تحقيق الامن القومي في محصلته النهائية يهدف الى السلم والأمن الاجتماعي وبذا فمن المفترض ألا تكون مسؤولية تحقيق الامن الاجتماعي بمفهومه الشامل مهمة "حكومية" تقوم بها مؤسسات الدولة واجهزتها الأمنية والرقابية والاقتصادية والاجتماعية، بل يجب ان تكون ممارسة وظيفية لكل افراد المجتمع ومنهم اولئك الذين يسعون في الأنفس خرابا ..
 الأثر السالب في حال انتهاك جدار الأمن الاجتماعي يعد اكثر دمارا لان ما يحدثه الشرخ في جدار الأمن الاجتماعي يكون باقي الاثر نسبة لتعلقه بالنفس البشرية لذلك لايمكن برؤه وزواله سريعا كما في حالات اعادة الاستقرار الامني الاخرى حال زوال مسبباتها .. الذين تهكموا على "بروف" مامون حميدة حين صرح وبشجاعة فائقة وبملء فيه "ان كل بيت لا يخلو من مدمن مخدرات" حينها سخر منه القوم وهو العالم ببواطن الامور وأهل "مكة" ادرى بشعابها .. ودعوة "قوش" التي أطلقها من داخل مركز "حياة" لمعالجة الادمان لقيادة حملة تعبئة واسعة وسط الشباب وتركيزها نحو الإنتاج والتوجه نحو قيم جديدة تعزز المجتمع على قيم كلية نابعة من اصول الدين لاستيعاب طاقات الشباب بعيدا عن التناحر والمزايدات السياسية من اجل خدمة البلد .. وكذلك دعوته الى منظمات المجتمع المدني لاتباع منهج مركز حياة لمعالجة الادمان والتأهيل النفسي والاجتماعي من اجل إقامة نشاط ايجابي واقي للشباب وتأكيده دعم الجهاز لمركز حياة ومساندته بقوله: "المدمنين ضحايا لعمل منظم وليسوا مجرمين ونستهدف إعانتهم وانتشالهم من الادمان ونعينهم في الحياة مع ادماجهم في المجتمع" ..
 مع تقديري للجميع لا يوجد اب أو ام لايرجو لذريته الصلاح وحسن الخلق والسلوك القويم، ولكن تدخلت عوامل كثيرة باتت مؤثرة على العملية التربوية وتشكيل شخصية الابناء وشاركت الاب والام في تربية الأطفال .. منها الفضاء المفتوح وعوالم "الانترنت" والهواتف الذكية الجوالة وتطبيقاتها من مواقع التواصل الاجتماعي وغرف الدردشة من داخل "الغرف المغلقة" والرفقاء والشارع العام وتراكماته الاجتماعية والاقتصادية السالبة الناتجة من مخلفات الحرب اللعينة .. ومقابل ذلك اندثرت قيم وتقاليد كانت شريك اساس في العملية التربوية ومعزز للسلامة الاجتماعية وكانت تمثل خط الرقابة الأول في اسناد الوالدين .. والصديق والأقارب والمعلم .. كل هؤلاء انصرفوا وتواروا الى الخلف كأنما "انقلب السحر على الساحر" وأصبحوا في خانة "الشك" الاجتماعي السالب..
 الشباب والطلاب شريحة هامة من شرائح المجتمع واستهدافهم بالمؤثرات العقلية والذهنية من ذوي النفوس الضعيفة الذين لاهم لهم غير جمع المال الحرام من تجارة سموم المخدرات .. هو استهداف للمجتمع بأثره وفيه انتهاك لسلامة الاسرة وترابطها ودورة حياتها المتجددة .. نسأل الله ان يبعد الضرر عنهم "فلذات أكبادنا" .. ولابد للانتباه بان هناك جهات منظمة تسعى لإفسادهم لانهم امل المستقبل وحملة لواء الاسلام وفتوته وغده المشرق لذلك جعلوا من المخدرات حربا على هذه الأمة لذهاب خيرها وتعطيل طاقاتها فأصبحت المهدد الاستراتيجي الاول للبناء الاجتماعي .. وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي تبذله الدولة عبر مؤسساتها الاجتماعية وأجهزتها الامنية والناشطين في مجال مكافحة المخدرات ذلك الداء العضال الا ان جهودهم لابد ان تتكامل مع منظمات المجتمع المدني وقادة المجتمع من الائمة والدعاة وجميع من فيه خير للبلاد والعباد من اجل الحد من هذه الظاهرة التي تبدو لي كما قالت زرقاء اليمامة "أرى اشجارا تتحرك" .. فالتحية لقيادة جهاز الأمن والمخابرات الوطني لتعاملهم الشفاف مع قضايا المجتمع ..
والتحية والإجلال لمركز حياة لعلاج الادمان والتأهيل النفسي والاجتماعي وراعيته الناشطة الاجتماعية الاستاذة/ رحاب شبو لاطلاعها بدور اجتماعي محوري مهم في معالجة الإدمان والادماج الاجتماعي.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

490 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search