د. عصام بطران

للسوق صناع آخرون

آلية (صناع السوق) التي اطلقت في التاسع من اكتوبر الماضي ضمن السياسات الجديدة التي اقرها مجلس الوزراء القومي لكبح جماح الدولار والحصول على حصة من العملات الحرة تغذي خزينة الدولة لتتمكن من الوفاء باستيراد السلع الاستراتيجية الضرورية واهمها الوقود والدواء والقمح .. هي جسم مستقل مهمته اعلان سعر صرف الدولار بصورة يومية من مقر الآلية بدار اتحاد المصارف السوداني، وتتكون الآلية من (١١) عضوا يمثلون خبراء ومديري بنوك وصرافات ليست لديهم علاقة مباشرة بدوائر الاقتصاد الحكومي، وبذلك يخرج بنك السودان من تحديد سعر الصرف لاول مرة، ويكتفى بشراء الذهب من التعدين الاهلي بسعر الدولار الذي تحدده آلية (صناع السوق)، على ان يحكم تعامله مع شركات الامتياز قانون الاستثمار والاتفاقيات الموقعة بينهما ولائحة النقد الاجنبي.
 ثلاثة اسباب وراء هدف الحكومة من انشاء آلية (صناع السوق) .. اولها القضاء على السوق الموازي في تجارة العملة .. والثاني محاولة جذب تحويلات المغتربين عبر الجهاز المصرفي التي تقدر بستة مليارات دولار سنوياً .. والثالث تشجيع المصدرين عبر حوافز مجدية من حصائل الصادر، الامر الذي قد ينهض بالصادرات ويقلل الواردات ويؤدي الى تعديل الميزان التجاري .. وتعمل آلية (صناع السوق) للتوصل يومياً الى سعر معقول يردم الفجوة بين السعر التأشيري غير الواقعي الناتج عن المضاربات وفق معلومات تقدمها الحكومة والصرافات والبنوك وبناءً على التدفقات النقدية من العملات الحرة القادمة من الصادرات والمغتربين .. والمعروف مفاهيمياً ان (صناع السوق) عبارة عن مجموعة شراكات استراتيجية تتأهب دائماً وعلى الاستعداد لشراء الاصول المالية او بيعها بسعر محدد واضح على المدى الطويل، وتعمل هذه الشراكات في المعاملات التجارية مباشرة اما بصفتها بائعاً او مشترياً .. كما تحدد اسعار بيع او شراء ادوات التداول الخاصة، ويتمثل الدور الاساسي لصانع السوق في توفير السيولة او خلق فرص امام المشاركين الآخرين في السوق لشراء مجموعة كبيرة من الاسهم والعملات والعقود الاجلة وادوات التداول الاخرى بطريقة شرعية او بيعها بسعر محدد واضح .. كما يخاطر (صناع السوق) باموالهم لكونهم الطرف الآخر دائماً في اية صفقة، ولذا فهم يلعبون دوراً دائماً في وضع العديد من الاستراتيجيات لضمان التحوط ضد الخسائر.
 ويلحظ المراقبون تصاعد سعر الدولار خلال الشهرين الماضيين من عمر آلية (صناع السوق)، اذ كان السعر التأشيري للدولار في بنك السودان المركزي قبل انشاء الآلية (٢٨.٥) جنيه وسعره الرسمي في المصرف المركزي (١٨) جنيها، بينما سعره في السوق الموازي (٤٦) جنيهاً، وقد كان سعر الجنيه مقابل الدولار (٦.٧) جنيه، ولكنه تقزم بصورة دراماتيكية عقب دعوة صندوق النقد الدولي الى تحرير العملة في ميزانية العام الجاري التي رفعت ايضا الدولار الجمركي من (٦.٩) جنيه الى (١٨) جنيهاً، وفي فبراير الماضي اعلن البنك المركزي سعراً تأشيرياً جديداً للدولار انحدرت فيه قيمة الجنيه امام الدولار الى حاجز الـ (٣٠) جنيها .. اما عقب انشاء آلية (صناع السوق) التي حددت سعر الجنيه مقابل الدولار بـ (٤٧) جنيهاً، فقد بدأت فوراً عمليات الكر والفر من (صناع آخرين) للسوق حتى وصل سعر الجنيه في السوق الموازي الى (٧٠) جنيهاً مقابل حاجز الـ (٤٧) جنيهاً السعر الذي توقفت عنده آلية (صناع السوق). وبعملية حسابية مقارنة بين سعر السوق الموازي والآلية بلغ الفرق بينهما (٢٣) جنيهاً، بينما كانت الفجوة قبل آلية (صناع السوق) بين السوق الموازي وسعر بنك السودان (١٢) جنيهاً فقط ..
 ويرى خبراء اقتصاد ورجال اعمال ومحللون ان قيام آلية (صناع السوق) اذا اتبعت الحيادية دون تحيز مكوناتها التي تعمل داخل السوق وحتما لها مصالح ذاتية تسعى اليها من خلال الآلية قد تتسبب في انهيار الفكرة لصالح اطراف اخرى تجعل من الآلية اداة لتنفيذ اجندتها الخاصة. اشراك الحكومة آخرين في تحديد سعر الدولار فكرة تحتاج الى آليات رقابية مساعدة يتوقع منها ان تضيق الفجوة بين سعر السوق الموازي التي ستظل موجودة ولكنها يمكن أن تتراجع تدريجياً لأن المشكلة الاساسية هي حصائل الصادر، فالسعر التأشيري الذي كان يعلنه بنك السودان ليس عادلاً مع المصدرين مما ادى الى خسائر كبيرة لديهم وتراجعت الصادرات، ولكن ليس من الحكمة مجاراة آلية (صناع السوق) للمضاربين وسماسرة العملة الذين لديهم (نفوذ) داخل الآلية نفسها.  وتقول النظرية ان (التكتلات) الاقتصادية لها دور اكبر في تحديد اتجاهات (صناعة السوق)، وبالتالي السيطرة على نفوذ الحركة النقدية والتجارية فيه .. والعمل بشكل جماعي اكثر فاعلية في برمجة وتنفيذ مجموعة من السياسات الاقتصادية المالية والنقدية والتجارية التي تحافظ على السيطرة الاقتصادية على مستوى الشراكات المنتظمة في اطار تلك (التكتلات) على نحو اكثر من العمل الفردي والاحادي .. وعلى النقيض من ذلك تماماً مسألة (التكتل الاقتصادي) (السالب) على مستوى الجماعات الصغيرة المنتمية مناطقياً او قبلياً او جهوياً التي يجب النظر اليها بعين ثاقبة وبصيرة استراتيجية لمواجهة تفكيك خلايا تلك (التكتلات) التي تعمل في التجارة غير المشروعة والانشطة الطفيلية الهدامة .. فقد برزت تلك (التكتلات) الاقتصادية الجهوية والمناطقية بصورة متنامية وخطيرة في السودان خلال دخولها عمليات التنقيب الاهلي عن (الذهب) وعمليات بيع وشراء (الدولار)، وحتى على مستوى تحديد اسعار الثروة الحيوانية المعدة لـ (الصادر)، وايضاً شكلت تلك (التكتلات) الاقتصادية (السالبة) حضوراً طاغياً في تجارة (الركشات) ووسائل النقل الصغيرة وقطع غيارها .. ومسألة خطورة (التكتلات) الاقتصادية الجهوية والمناطقية تأتي في سياق ممارسة العمل الاقتصادي (الهدام)، بحكم ان انشطتها التي تمارسها من خلال (التكتل) انشطة طفيلية ولا تدخل ضمن دورة الانتاج، وتشجع على المضاربة والثراء السريع الذي يشجع على فتح أسواق لممارسة التجارة غير المشروعة من قبيل (تجارة المخدرات) و(غسيل الاموال) وانشطة (تجارة البشر) و (التهريب) باشكاله المختلفة .. استراتيجية (الكر والفر) التي تشهدها معركة (الدولار) يتحكم فيها صناع آخرون للسوق غير الحكومة وآليتها المبتكرة (صناع السوق)، وهي استراتيجية خطيرة تمارسها تلك (التكتلات) الاقتصادية الجهوية والمناطقية للسيطرة على تحديد آلية سوق العملات الحرة .. والذي ينظر لتقلبات سعر الدولار مقابل الجنيه خلال الايام الفائتة يلحظ احتدام معركة البقاء التى تدور رحاها بين آلية الاقتصاد (النظري) الذي تحدده الدولة وبين الاقتصاد (الميداني) الذي باتت تسيطر عليه تلك (التكتلات) الاقتصادية الجهوية والمناطقية من تجار العملة، ويحذر الخبراء الاستراتيجيون ــ إذا لم تنتبه الاجهزة الحكومية الى تفكيك تلك (الخلايا المنظمة) للتكتلات الاقتصادية الجهوية والمناطقية (السالبة) التي تتشكل من (الجلابي، المدير، الجوكي، السريحة) وتتحكم في سعر (الدولار)، فإن المعركة لا شك ستحسم لصالحهم بحكم انهم (صناع السوق) الحقيقيون.