د. عصام بطران

موازنة الدولة وإشكالية أنموذج التطبيق

 "الموازنة" خطة تقديرية تمثل أقصر مدى في عمليات التخطيط الاقتصادي إذ لا يتجاوز مداها حدود البرنامج او المنشط المستهدف وفي غالب الأحوال لا يتجاوز عمرها العام يسمى "السنة المالية" ولكنها ليست معزولة في إطارها الكلي عن خطة استراتيجية متوسطة او طويلة المدى تعمل على هداها وتأتمر بموجهاتها .. وعلى مستوى التخطيط الاقتصادي في الدولة ومؤسساتها تعتبر "الموازنة" بمثابة الخطة المالية التي تضعها لتهتدي بالسير بها في العام القادم، وتحدد فيها كافة تفاصيل نفقاتها المالية ويتم إصدارها بقانون رسمي من قبل السلطة التشريعية، وتصنف "الموازنة" ضمن قوائم الخطط المستقبلية قصيرة المدى تعنى بالعام القادم وتتضمن أرقاما تقديرية للإنفاق والمصروفات والموارد والأموال التي تحتاجها جميع وزارات ومؤسسات الدولة على مدار العام، لذلك تعتبر "الموازنة" خطة تعد من قبل الدولة استعدادا لعام مالي جديد ..
 اذا كانت "الموازنة" هي القاطرة فـ"الميزانية" هي "الخط الحديدي" الذي تسير عليه عجلات القطار، فهي نفاذ لتقديرات النفقات المالية التي اقترحتها وخططت لها الموازنة العامة للدولة بكافة وزاراتها ومؤسساتها لذا هناك اختلاف  جوهري بين "الموازنة" و"الميزانية" .. فـ"الموازنة" خطة تقدر تقديرا وتوضع قبل بداية العام وتستخدم كأداة رقابية على العمل وتعتمد على التخطيط الصحيح لما سيتم إنفاقه في العام القادم. بينما "الميزانية" تمثل البرنامج التنفيذي لإقرار خطة "الموازنة" لمعرفة ما حققته من ايرادات وإنفاق عام للدولة ومن ثم مقارنتها بالموجهات والأهداف والسياسات التي وضعت في "الموازنة" ..
 ازداد اللغط والحديث حول سلامة مسار الخطة الاستراتيجية التقديرية لـ"موازنة" الدولة للعام الجاري ٢٠١٨م ولم تتضح اشكالياتها إلا بعد ان دخلت في طور التنفيذ وأصبحت "ميزانية" معتمدة بعد إجازتها من السلطة التشريعية القومية، حيث طفت الى السطح إسقاطات كادت تعصف بخطة "الموازنة" العامة بأكملها .. كان اكثرها قسوة "ارتفاع نسبة التضخم بصورة غير مسبوقة، شح في السيولة وعرض وتداول النقود، مشروطية عمليات الاستيراد، غلاء فاحش في الأسعار وأزمات متلاحقة في الوقود والغاز" .. ومن خلال التحليل للموقف الراهن بعد قرب انقضاء العام المالي من "الميزانية" يتضح ان الاشكالية الرئيسة لتعثرها ليس في فحوى الخطة "الموازنة" انما في التقديرات التي بنيت عليها الخطة خاصة فيما يخص الإفراط في التفاؤل حول إحراز تقدم ايجابي على مستوى البيئة الخارجية بعد مرحلة رفع الحصار الأمريكي المفروض على السودان .. التوقعات التي بنيت عليها خطة "الموازنة" كانت تتطلع للاستفادة من الفرص التي يتيحها رفع العقوبات الامريكية مثل انسياب الواردات وتحفيز الصادرات وانفتاح منافذ التمويل العالمية وهو ما لم يحدث، بل حدث العكس اذ لم تزل "العصا" مرفوعة ولم تظهر "الجزرة" .. على الرغم من ان الخطط البديلة التي طرحتها الحكومة خلال النصف الاول خففت من مترتبات الهزة الارتدادية نتيجة عدم صدقية توقعات خطة موازنة العام ٢٠١٨م .. فكانت اولى تلك الخطوات التي اتخذتها، الحد من ارتفاع سعر الصرف للجنيه أمام العملات الاخرى ولولا تلك الإجراءات كان مرشحا ان يتخطى الجنيه حاجز الـ ٢٠٠ في حال لم تتدارك الحكومة الموقف ..
 لم تكن الحكومة الاتحادية قد اخذت في حسبانها توقعات عدم وفاء المجتمع الدولي بتعهداته بعد فصل جنوب السودان، ولا بعد انقضاء مرحلة الحوار الوطني، ولا النظر بعين الاعتبار لجهود الحكومة الإيجابية في مكافحة الارهاب، ولا المساهمة الضخمة في معالجة ملف الهجرة غير الشرعية العابرة .. وعلى الرغم من ذلك أفرطت الحكومة الاتحادية في رفع سقف التمنيات عن تعاون سلس بينها والمجتمع الدولي بعد رفع العقوبات الامريكية عن السودان دون اختبار تجريبي .. ولولا الخطط البديلة التي أقرتها الحكومة الاتحادية بعد بدء تنفيذ خطة الموازنة العامة لحدث انهيار تام في الاقتصاد الكلي للدولة .. نمو الاقتصاد يمثل عاملا اساسيا في التفاف الناس حول الحكومة لاعتبارات اجتماعية واستراتيجية وسياسية واحراز تقدم في مجال الاقتصاد يصحبه مزيد من السند  والتأييد لسياسات الدولة .. لذلك تجيء التحولات في طرق إعداد الموازنة العامة لتصب في خانة الواقعية باعتمادها Гنموذجا جديدا ينطلق في العام ٢٠١٩م هو نمط موازنة "البرامج والأداء" الذي يعتمد
على الخطة الاستراتيجية اعتمادا اساسيا .. وحينما شرعت الحكومة في إعداد برامجها ومشروعاتها والأنشطة المصاحبة لها، كان ذلك وسيلة جديدة تهدف الى الانتقال من "التقليدية" الى "الحداثة" في إعداد الموازنة العامة للدولة ..
 تغيير اسلوب إعداد الموازنة العامة للدولة من ميزانية "البنود" الى موازنة "البرامج والاداء" يأتي كضرورة ملحة لربط مدخلات النظام المالي بمخرجاته خاصة وانها تزيد من "ديناميكية" المقاييس الافقية والرأسية في عملية تحجيم المهدر من الموارد وارتفاع قيمة الايرادات الى مستويات تؤدي الى توجيه المورد المالي المخصص للبرنامج والنشاط وقياسه بمستوى الأداء .. وذلك لان نمط "البرامج والأداء" خطوة هامة في طريق ربط المخصص من الموارد بتقييم الأداء الفعلي للبرامج والانشطة والمشروعات التنموية والخدمية والانتاجية، وهذا يعني باختصار تقليص المخصص لـ"ميزانية التسيير" لترتبط بتنفيذ البرنامج المخصص له المورد .. مما يكسب نظام موازنة "البرامج والأداء" اهمية قصوى في تحسن العلاقة بين عملية الموازنة والمشروعات المطروحة وفق الخطة العامة لتحقيق التنمية المستدامة على المستوى الولائي من خلال التوزيع الأفضل للموارد والتأكد من كفاءة وفاعلية الإنفاق العام وإعادة ترتيب اولوياته، بجانب النهوض بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين وتحقق المزيد من الانضباط المالي للجهات الحكومية عن طريق الرقابة المالية والعدالة والشفافية والمساءلة ..
 نظام موازنة "البنود" انتقل الى السودان منذ العام ١٨٢١م بدخول الحكم التركي وعرف بالنظام "الدفتري" وهو الأسلوب التقليدي البسيط الذي تبدأ به الاقتصادات "البدائية"Ў حيث الاهتمام بالجانب الرقابي مع وضع قيود على الصرف اكثر من الاعتماد على فعالية تحقيق أهداف الخدمات الانتاجية والتنموية .. ولان ذلك النظام أصبح راسخا ومتمكنا في عقلية الأجهزة المالية والحسابية والرقابية لابد من مرحلة انتقالية لعبور الموازنة من شكلها التقليدي ميزانية "البنود" الى الحديث موازنة "البرامج والأداء"Ў وهذا يتطلب في عام الاساس ٢٠١٩م إعداد نظام مختلط يجمع بين النماذج الأربعة لإعداد الموازنات العامة "البنود، الصفرية، البرامج والاداء، التعاقدية" للخروج بنموذج يتوافق مع المرحلة الانتقالية يتيح إعداد Гنموذج يلائم خصوصية المرحلة التي تعتبر الاكثر تعقيدا في الاقتصاد الكلي ومواءمتها مع الدستور والقوانين التي تعتمد النظام القديم "البنود" لإيجاد وسيلة لتنفيذ الميزانية المرحلية عبر نظام مختلط موحد لموازنتي "الاعتمادات والبنود" و"البرامج والاداء" يقابلها التزام لمقدمي الخدمات بتقديم التقارير عن النتائج المتحققة خلال مرحلة الانتقال ليكون انتقالاً سلساً ..