د. معتز صديق الحسن

لا إكـــراه

>  يلاحظ في المجتمعات عامة والمجتمع السوداني خاصة؛ إصرار بعض الأشخاص المتنطعين على دفع الآخرين دفعاً؛ للاقتناع بحجة أفكارهم التي يعتنقونها، ولفظ ما سواها؛ لدرجة تعنيف أصحاب الرأي الآخر المخالف؛ دون منحهم ولو أقل الحقوق المكفولة -في ذلك- عرفاً أو قانوناً؛ حق الاستماع إليهم، وإلى (دفوعاتهم).
 >  وأقل أنواع التعنيف المبذولة عندهم هي اللفظية؛ -وإن كان جرح اللسان أشد من جرح السنان لا يلتئم- إهداءً من شتائم القذف، والأساءة، والتجريح لا للأفكار فقط، وإنما لنسب الأشخاص؛ وإن دعا الحال فهم جاهزون؛ للتعنيفات البدنية من الصفع، واللكم، والتورط -بلا مبالاة- في إزهاق النفس؛ التي حرم الله إلا بالحق.
 >  ويمارسون هذه الطريقة الإقناعية المنفرة -المفروضة غصباً- والمثيرة للاشمئزاز؛ بقلوب فظة تؤدي لا محالة لانفضاض الناس من حولهم؛ إذ لا جدال لديهم بالتي هي أحسن. كأنهم ما سمعوا، أو عمداً يتغافلون عن حكمة الإمام الشافعي رحمه الله: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).
 >  وما أسهل عندهم التشدق؛ بحق الحرية ممارسة عندما تكون لصالحهم، وما أصعبها من منحة آوان وجوبها عليهم فيشحون بها مشاحة أكثر منها لبن العصفور، وإن بدرت على حين غفلة من بعضهم مثقال ذرة منها سرعان ما ينكصون عنها بضربها عرض الحائط دون مراعاة أبداً لحدودها التي تنتهى عندما تبدأ أفكار الآخرين.
 >  إذن.. عند طرح بضاعتهم في سوق الأفكار لا يتوخون الصدق في ما يسمى بالسعي للتنافس الشريف، وتكامل الرؤى، ( وأن نصف الرأي عند الأخ) فكل ما صدرت وتصدر من بضائع الغير؛ فحكمهم المتيقن عليها أنها مزجاة لرسوخ إيمانهم دوماً بمنهج الضدية؛ بمعنى من ليس معنا، فنحن ضده؛ قبل أن يكون ضدنا.
 >  وتماشياً مع السياق السابق؛ نشير إلى أن الحرية المفتوحة بلا أية ضوابط إنما هي الفوضى بعينها، والمغلقة بلا أي متنفس مسؤول هي الاسترقاق، والعبودية؛ كما قال الفاروق عمر رضي الله عنه: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)؛ إذن.. نريد الحرية المسؤولة؛ التي تمنح الحقوق، وفي الوقت نفسه؛ تطالب بالواجبات.
 >  وتوضيحاً لأضرار الحريتين السابقتين؛ ففيهما أي المفتوحة، والمغلقة واللتان عندى بدرجة واحدة من الإكراه؛ اذا استصحبنا الوقائع؛ فمثلاً في التدين، كان الحصاد في كليهما إما الإلحاد، أو الإشراك، وفي الاقتصاد رباً بتمليك الفرد، أو الجماعة، وفي الأخلاق وصولاً لأندية العراة، أو الرهبانية المبتدعة غير المكتوبة عليهم وعلى ذلك قس.
 >  مجمل القول الجميل؛ علام الإكراه وفي قمة الحرية العقلية (العقيدة الدينية)؛ تتضح حرية الاختيار، والتخيير أولاً ثم يأتي من بعدها؛ توضيح الطريق المستقيم للناس كافة.  ومصداق ذلك في قوله تعالي: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يؤمن بالله ويكفر بالطاغوت فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم".
 >  صادق الأمنيات؛ ألا نكون (أنت وأنا) من المذكورين في بداية المقال؛ أولئك المحبون بأنانية مفرطة لأفكارهم، والكارهون بتفريط لغيرها؛ مع التشديد على التخيير: (إن كل هذه الكلمات والمعاني غير مفروضة على أحد؛ فمن شاء فليوافق عليها، ومن شاء فليرفضها). سائلين الله؛ أن يوفق الجميع لسديد الآراء. آمين يا رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك..