كتاب الرأي

د. معتز صديق الحسن

مقاطعة "العضام"

* نشاط كبير تشهده مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بتسليط الضوء على دعوة مقاطعة محدد لبداية تنفيذها اليوم الأول من الشهر الجاري وهي لمقاطعة اللحوم الحمراء والبيضاء لأن أسعارهما صارت سوداء ولا يصلح معها -كما يرون- إلا الحل المؤقت والمتمثل في شعار الغالي متروك.
 * فإذا كان كل غال متروك فإن السلع التي تدخل في هذه القائمة السوداء لكثيرة جداً -نعد منها ولا نعددها- فإلى جانب اللحوم وبالمعيار نفسه فالمستهلك "بكسر اللام" المستهلك "بفتح اللام" واجب عليه مقاطعة الخضروات والمكيفات (الشاي والقهوة) والمشروبات و... و...
 * قطع شك ومما يجدر التنويه له في باب هذا الأدب الجديد أنه لن يرفع أحدهم شعار الدعوة لترك الفواكه لأنه واقع عليها "طلاق التلاتة" من غالبية أصحاب المرتبات والدخول المهدودة -عفواً المحدودة- منذ وقت طويل ولا تكاد ترى فيها أية ملامح لعودة قريبة وأنها "مرجوعة في مسماها".
 * نقول ذلك -بملء الفم- طالما أن فاكهة الموز والذي يعد بكل الفخر بأنه الوحيد الذي كان يزين قائمة الفاكهة عند الفقراء لكنه قد رفع في وجوههم عبارة ممنوع الاقتراب والشراء والتصوير حتى وبدوره صار في استطاعة الأغنياء لأن سعر الكيلو الواحد منه فقط وصل إلى حاجز الـ (20) جنيهاً.
 * أما بدائل اللحوم من فول وعدس وفاصوليا وغيرها والتي بأي حال من الأحوال لن تسد "قرمتها" أو قيمتها الغذائية، فقد صارت هي الأخرى جميعها بأسعار عالية والحال هكذا فإن ما يجعل احتمالات الابتعاد عنها واللجوء للتفكير في بديل البديل قريبة جداً . 
 * ومقارنة للحم مع بقية الذبيحة من "كوارع" و"بطنية الكمونية" والرأس "الباسم" والتي صارت تباع بالشيء الفلاني فحتى "العضام" تباع بالكيلو بمبلغ وقدره مما يطرح ماذا بقي لنواصل وماذا نترك ونقاطع من بهائم الأنعام؟
 * وبما أن كل لحمي نباتي وليس كل نباتي لحمي لذا فإن النباتيين والذين لا يتناولون اللحوم على الإطلاق ربما لا تعنيهم هذه الدعوة كثيراً -إلا إذا كانوا أرباب أسر- وإنما تعني البرمائيين أو بالأدق "اللحمنباتيين" لكن وبمثل أطلقت هذه الدعوة فهل يا ترى قريباً نسمع بدعوة لمقاطعة خضروات النباتات.
 * حتماً لا نحتاج للتذكير بأنه هناك أساساً أعداد كبيرة ممن يقاطعونها منذ سنوات طويلة ، أما الأخف مقاطعة -وهؤلاء في طريقهم للانقراض هذا ان لم يكونوا قد انقرضوا- ممن يشترون نصف الكيلو ويوزعونه لأربعة "أكوام" أو الربع منه لكومين" ليقسموها "مباصرة" لتحضير "حلة الملاح".
فهذا الحال بالجد مؤسف بالنظر إلى أرقام ثرواتنا الحيوانية الكبيرة والمتنوعة مع صعوبة الوصول إليها طعاماً لا تملك هنا إلا أن تردد بكل الحسرة مقالة الشاعر (زي إبل الرحيل شايلة السقا وعطشانة) فكذلك مواطن السودان يرى أن مراعيه الخضراء والشاسعة تحمل على ظهورها كل هذه السعية وهو "قرمان".
 * إذن لا استغراب لدعوات المقاطعة لها طالما هي متوفرة بالداخل ومن الإنتاج المحلي وليست بسلعة مستوردة ولا ثمة داع لغلائها فكيف يكون وضعها إذا كانت مستجلبة من الخارج فهنا ربما لن يسمع بها ناهيك عن حلم مشاهدتها وامتلاكها وأكلها. 
 * نذكر أن اتخاذ هذه الخطوة هي ليست بحل جذري لمحاربة الغلاء وإنما هي أقرب لتسكين آلام الجراح بحبة بندول، وأيضاً الأهم إمكانية عدها في باب لفت الانتباه للمسؤولين ومن بأيديهم الحلول الناجعة لاتخاذ القرار الصحيح في المكان والزمان الصحيحين والمناسبين. 
 * وإن لم تنجح في تحقيق النجاح المنشود، تبقى بداية خطوة في الاتجاه الصحيح لأنه في المجموع العام ليس لدينا التزام كامل بمثل هذه الأدبيات .فالداعون لهذه الحملة والمتحدثون باسمها والمدافعون عنها عندما ينفض سامر اللقاءات فيها ربما تجدهم يتوجهون لأقرب "جزارة" لاختيار ما ثقل وزنه وثمنه من الطيبات فيها.
 * أخيراً، إن ما يفهم من دعوات المقاطعة اللحمية هذه إن ارتفاع الأسعار فيها قد أكل اللحم ووصل للعضم وأنه إلى جانب الممتنعين عن الشراء من أصحاب الاضطرار الاضطراري، فهناك فئة جديدة من أصحاب الاختيار الاضطراري أو الاضطرار الاختياري فالتسمية هنا لا تفرق كثيراً وإن ما يفرق هو الحرمان في كل الأحوال. هذا والحمد لله على كل حال. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

456 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search