د. معتز صديق الحسن

وصل الدين لا فصله

 > بعيداً عن متاجرة البعض بشعارات الدين والتي أدت -بكل أسف- إلى المطالبة والمناداة جهراً -من قبل قلة قليلة- لاعتناق الفكرة الخاطئة والمتمثلة في ضرورة فصل الدين عن الدولة.
 > ومبرراتهم للفصل الصور السالبة الناتجة عن التطبيق الخاطئ للدين، وأشدد على الخاطئ هذه، خاصة من أولئك المتاجرين بالشعارات والتي هي في وادٍ بينما أفعالهم في وادٍ آخر.
 > نعم.. فأمثال هؤلاء هم من يضرّون الدين -من حيث يدرون أو لا يدرون- وذلك لعدم التزامهم بالمواثيق والعهود ولاستشراء فسادهم في البر والبحر وتحليل سرقاتهم بخروج أعناق "دولارات عمولاتهم" كعقارات وشركات ولا مساءلة ولا محاسبة من أين لهم كل هذا؟!
 > إلا أن الفهم والتطبيق الخاطئ من بعض الأفراد، لا يعطي الحق أو يعني بالضرورة إبعاد الدين من إدارة الدولة، وهنا تحضرني مقالة للرئيس الماليزي
السابق مهاتير عندما تحدث عن برنامجه الانتخابي لإدارة الدولة.
 > فتحدث عن توفير الحياة الكريمة وتنمية الاقتصاد وتطوير التعليم والخدمات الأخرى ولما سُئل في ما معناه عن أين الإسلام من كل ذلك في برنامجه الانتخابي هذا؟ ليجيب بثقة وشموخ إنني كنت أتحدث عن الإسلام.
 > إذن.. في مجتمع المسلمين وبحسب السياق السابق أعتقد أننا لسنا بحاجة إلى تلاوة وحفظ نصوص الدين فقط لأنها معلومة بالضرورة، وإنما نحتاج وبشدة لإظهار روحه السمحاء بأفعال تمشي بين الناس صدقاً وعدلاً ومساواة وإحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل.
 > على العموم، وإن كانت الفكرة غير الموفقة لفصل الدين عن الدولة غير مستساغة -قولاً ناهيك عن فعلاً- إلا أننا نسألهم إذا كانوا مسلمين بمن هم يتمثلون ولمن يمتثلون؟! لا نريد إجابة كما نسأل هل في وثيقة دولة المدينة التي أمضاها الرسول عليه الصلاة والسلام إقصاء للدين من الحكم؟ حاشا لله.
 > ليطرح التساؤل هل الدولة هنا مجبرة أم مخيرة بأن تقيم الدين أو ترفضه؟ بدون شك أن الدين لإقامة دولة الحكم العادل والاقتصاد المتكافل والمجتمع المتماسك. ففضائل الدين الإسلامي وثماره الطيبة كثيرة (نعد منها ولا نعددها).وبالجملة هي كل ما يصلح أمور الناس في دنياهم وآخرتهم.
 > فلا لإمتثال مقالة السياسة لعبة قذرة بتقديمها للمصالح الخاصة على حساب المُثل والأخلاق، بل بحسب مفهومنا البسيط للإسلام هي إدارة صالحة لكافة شؤون المجتمع مراعية فيه جلب المنافع ودرء المفاسد وفقاً لمعايير التزام فاضلة وثابتة.
 > لا يجوز الحياد عنها وإن تغيرت الأحوال والظروف وإن بدا ظاهرها الضرر امتثالاً لقوله تعالى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".
 > وعليه ننوه أن هذه الرسالة الخاتمة فقد جاءت لإقامة الدين -ووصله لا فصله- في كافة أركان المجتمع المسلم سواءً أكان حكماً أو إدارةً أو اقتصاداً أو تنظيم علاقات مع الآخرين على مستوى الداخل والخارج أو ... أو ...
 > فلا المطالبة بفصل الدين عن الدولة وأياً كانت المبررات فهذا لا يدخل في باب (الإيمان ما وقر القلب وصدقه العمل)، فالمؤمن الحق لا يطالب بذلك وإن كان هذا هو مطلبه فيا ترى بأي شيء يمكن أن يطالبنا الكفار؟ قطع شك سيطالبون بفصل الدين عن القلوب والنفوس إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
 > فمن يخدع الناس بالدين قد ينخدعوا به إلى حين اكتشاف كذبته لكن من يحارب الدين علناً باتهامه بعدم صلاحيته في بعض المواضع، فبحمد الله فإن فطرة غالبية المجتمع السليمة لن تؤيده أو تناصره على الإطلاق.
 > كما أنه إذا بدأ التنازل وإن كان أولاً بارتضاء مثل هذه الشعارات الخطأ فأنوه أنها لن تتوقف عند هذه المحطة ولن تكون الأخيرة، بل ستكون بعدها تنازلات أكبر وأعظم وأعمق فلا للرضا بالدنية في الدين ولا لبيع الآخرة الباقية بالدنيا الفانية.
 > حتى لا تنطبق علينا أحجية الديك الذي طلب منه ألا يؤذن وإلا ذُبح، فرضخ للأمر متعللاً بأن هناك ديكاً غيره سوف يؤذن، ثم طُلب منه أن يبيض بيضة في صبيحة اليوم التالي وإلا سوف يذبح.
 > ولاستحالة الأمر المطلوب منه، فتمنى حينها لو أنه أذن المرة الفائتة وذبح في سبيل ذلك المبدأ العظيم فيموت ميتة الشرفاء. فذلك خير له من خاتمة السوء هذه بميتة المذلة والخنوع والخسارة. ولا حول ولا قوة إلا بالله!! .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.