المقالات

سأعيش في جلباب أبي طليقاً حراً أو حبيساً مظلوماً

د. سوزان مأمون حُميدة
عندما أُقتيد أبي البروفيسور مأمون محمد علي حُميدة، ظلماً وبهتاناً من منزلنا إلى محبسه، مساء يوم الأربعاء 17 أبريل 2019، إلى يوم الناس هذا، لم نتوقع أنه سيمكث طوال هذه المدة، بل ظننا أنه سيغيب عنا بُرهةً ثم يؤوب إلينا، ولكن عندما علمنا بمحبسه اضطربت عندنا المفاهيم، إذ أُخبرنا في الأيام الأولى لاعتقاله أنه مستهدف في شخصه، فالاعتقال تحفظي لحمايته. وما أن تهدأ الأوضاع، ويستقر أمر تغيير النظام السابق، سيتم الإف صحيفة "الانتباهة" – الاثنين 15/7/2019راج عنه. وبعد مرور بضعة أسابيع من اعتقاله تقدمت الأسرة بمناشدة للمجلس العسكري الانتقالي للإفراج عنه، ولما لم يستجب المجلس لمناشدتنا، لجأنا إلى القانون، وذلك من خلال هيئة من القانونيين برئاسة الدكتور عبدالـله إدريس والدكتور عادل عبد الغني لمتابعة الإجراءات القانونية في سبيل الإفراج عنه أو تقديمه للمحاكمة، إن كانت هنالك دعوى أو دعاوى جنائية في مواجهته ، وحصلت تلكم الهيئة القانونية على إفادة من المكتب التنفيذي للنائب العام، بتاريخ 21/5/2019، تؤكد أنه "لا توجد أي دعوى أو دعاوى جنائية في مواجهة موكلكم (البروفيسور مأمون حميدة) أمام النيابة العامة في الوقت الراهن". فاستبشرنا خيراً بها، وتفاءلنا بقرار الإفراج عنه، عدلأ وإنصافاً، و لكن خاب رجاؤنا ، و تبددت آمالنا ، إذ ظل حال والدنا كما هو عليه، وزادتنا حسرةً وإيلاماً.
لا يخفى على الكثيرين ما قدمه والدنا البروفيسور مأمون حُميدة من جليل أعمالٍ، وكثير إنجازٍ، وعظيم تضجياتٍ في سبيل ترقية الصحة والطبابة، ونهضة التعليم الجامعي والبحث العلمي في السودان. وعندما أشير إلى تلكم الأعمال والإنجازات والتضحيات، على سبيل التذكير وليس من باب المن والأذى، فوالدنا علمنا كُنه حب الوطن، فهو ليس كلماتٍ جوفاء، بل تضحياتٍ عظامٍ في سبيل نهضة الوطن وازدهاره. من هذا المنطلق، قبل تسنم وزارة الصحة في ولاية الخرطوم بهدف إنفاذ الخرطة الصحية لولاية الخرطوم، وفقاً لموجهات منظمة الصحة العالمية المتعلقة بالرعاية الصحية الأولية، لإيمانه بأن تلكم السياسات الصحية ستخدم المواطن، بتوفير الخدمات الصحية الأولية بقرب مسكنه، من خلال إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية في الأرياف والقرى والنجوع بولاية الخرطوم.
كنا كأسرة نتابع جهد والدنا المتواصل في العمل الوزاري الذي شغله عنا أطراف النهار وأناء الليل، طوال ثماني سنواتٍ، ولكن رضينا بهذا الواقع الأليم، لأكيد علمنا أنه يجد سعادته في البذل والعطاء من أجل الوطن والمواطن. والغريب في الأمر، أن هذه النجاحات وتلكم الإنجازات، وجدت قبولاً طيباً، وصدىً من قبل المواطنين في تلكم المناطق من ولاية الخرطوم، حيث وفرت لهم العلاج والدواء، وادخرت بعض أموالهم، ولم تبدد كثير أوقاتهم، فأقبلوا عليها زُمراً وفرادى، مثل ما يدعو الحجيج الموسم. فجاؤه شاكرين مقدرين لجهده معهم، لتوفيره العلاج والدواء بالقرب من مساكنهم. لكن لم يرض الذين في قلوبهم مرضٌ، وفي أنفسهم غرضٌ، إنفاذ الخارطة الصحية لولاية الخرطوم، فحاربوا حادي ركبها، حرباً شعواء، لأنها سببت ضيقاً في صدور بعض زملائه الأطباء، لأنها ضيقت واسعاً بالنسبة لهم، فما عاد المرضى يأتون من مناطق بعيدة، بحثاً عن طبابةٍ ودواءٍ، فتضررت مصالح عياداتهم، وأصبح بعضها مهجوراً، فكادوا له، ومكروا به، فألقوا به في السجن حبيساً، بعد أوعزوا للمجلس العسكري الانتقالي بضرورة حبسه. فكان ما أرادوا ظلماً وبهتاناً. على الرغم من أن الـله حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً فقال "ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا"، كما جعل الظلم قرين الشرك بالـله، كما جاء في قوله تعالى على لسان سيدنا لقمان: "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ"، وقال رسول الـله صلى الـله عليه وسلم : "إن الـله ليُملي للظالم فإذا أخذه لم يغلقه".
في خاتمة هذه العُجالة، أُناشد النائب العام بعد أن أوكل المجلس العسكري الانتقالي إليه أمر المعتقلين في سجن كوبر ومن بينهم أبي، الإسراع إلى الإفراج عن البروفيسور مأمون حُميدة راعي جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، وحادي ركبها، ليُسهم طبابةً وتدريساً وبحثاً ، ليس في جامعته فحسب ، بل محلياً وإقليمياً وعالمياً. و لا أحسب أنه بخافٍ على أحدٍ عظيم إسهاماته، وفخيم جهده، في المنظمات الصحية والتعليمية والبحثية إقليمياً وعالمياً. ليتك أيها النائب العام استجبت لمناشدتي بعاجل الإفراج عن أبي الذي سأعيش في جلبابه حبيساً مظلوماً أو طليقاً حراً، في انتظار إطلاق سراحه.
ولنستذكر جميعاً في هذا الصدد، قول الـله تعالى: "وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ".
وقول سيدنا علي بن أبي طالب - كرم الـله وجهه -:
لاتظلمن إذا ماكنت مقتدرا ً
فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الـله لم تنم