المقالات

"شكـشاكــــة" سياسيـــــة

بروفيسور عبـدهـ مختـار

في ذات صباح خريفي بديع – مثل هذه الأيام – في التسعينات، عندما كنتُ رئيس تحريرمجلة سوداناو وبعـد ليلة مطيرة جاءتني السكرتيرة في المكتب، وبعـد التحية سألتني: (المطر عندكم كيف؟). فقلتُ لها: "شكشاكة". ضحكت السكرتيرة وهي تكرر الكلمة باستغراب (شكشاكة!!). قلتُ لها: أيــوة. نحـن في كردفان نسمي المطر الخفيف المتواصل (شكشاكة). فقالت لي: نحنا نسميها (رشَّــــة). فقلتُ لها: والـله شكشاكة أحلى.
ظلّت قوى الحرية والتغييــر تتعامل مع عملية تشكيل الحكومة الانتقالية على طريقة (الشكشاكة). الفترة طالت وكثرت تساؤلات الناس (ليه كل التأخير دا)؟ وحتى بعد التوقيع لن تبدأ الحكومة الانتقالية عملها إلا في أول سبتمبر!  هذا التأخير زاد من معاناة المواطن بصورة مضاعفة: فارتفاع مستمر للأسعار إلى مستوى فوق ما يطيق المواطن المغلوب على أمره والذي صبـر كثيـراً حتى عيل صبره. هذا فضلاً عن أزمات متصاعدة في الخبز والوقود والمواصلات وغير من السلع الضرورية. ثم جاء الخريف بدون تصريف وامتلأت الميادين وفقد بعض المواطنين منازلهم وليس من معين، فليس هنالك محلية لأنه ليس هنالك حكومة! وقبل كل ذلك تسبب التأخير في إزهاق المزيد من أرواح المواطنين الأبرياء.
ومع كل ذلك تفتح قوى الحرية الباب أمام محادثات جديدة مع الجبهة الثورية في عواصم دول أخرى مع العلم أن أية مفاوضات جديدة سوف تعني المزيد من التأخير ويدفع المواطن الثمن، وتزداد قوى الثورة المضادة تمكينا وتهريباً!
فمثلاً وضح من محادثات القاهرة بين الحرية والثورية أن الأخيرة تشترط شروطاً أو تطلب مطالباً ليست هذا وقتها وليس بالضرورة أن يتم بسببها  تعطيل الاتفاق أو تأخير تشكيل الحكومة، لأن ما تطالب به الثورية هو تلقائيا يتم عبر تطبيق برنامج الثورة. صحيح أن هنالك تعميم لا يشمل كل ما تقوله الثورية لكن في المحصلة النهائية إن ما يتحقق عبر الحكومة الانتقالية من خلال التأسيس لنظام ديمقراطي حقيقي يعني بالضرورة تطبيق كل ما تطالب به هذه الحركات المسلحة. هذه الحكومة الانتقالية مسؤولة عن التأسيس لدولة جديدة بحيث لا يكون هنالك ظلم لجهة أو قبيلة أو تمييز بسبب نوع أو جنس أو دين أو لون وبالتالي فإن كل أطروحات الثورية تجد طريقها للتنفيذ تلقائياً ضمن بناء دولة العدالة والمواطنة والقانون. كما أن من حق الثورية أن تشارك في البرلمان الانتقالي، وبالتالي يمكنها أن تقدم كل أطروحاتها عبر البرلمان الذي سوف يعمل – بمساعدة المفوضيات المختصة – في استيعاب كل متطلبات الدولة الديمقراطية والحكم الرشيد  والتي لن يتم فيها إقصاء أحد أو ظلم جهة ما وتسود فيها المعايير الموضوعية في الاختيار والعدالة في فرص المشاركة وفي توزيع الثروة والخدمات والتنمية لكل الولايات (التنمية العادلة/الشاملة). إذن ماذا تريد الثورية غير ذلك؟ ولماذا تصـر أن يتم ذلك "الآن" بتعطيل تشكيل الحكومة والتي سوف تشكلها جهة تعتبر الثورية جزء من مكوناتها (قحت)؟
وضح في لقاء القاهرة أن الجبهة الثورية تريد تضمين ثلاث قضايا في الوثيقة الدستورية: كيفية التعامل مع الاتفاق الذي سينشأ مع السلطة القادمة والجبهة الثورية؛ وكيفية التعامل مع الجبهة من ناحية المؤسسات والقوانين؛ ومستويات الحكم المركزي والإقليمي وتقسيم الولايات. كما اشترط عقار مناقشة الترتيبات الأمنية للقوات المقاتلة ودمجها في جيش الدولة.. تأملوا في لو انتظرنا حتى يتحقق ذلك، أليس هذه "شكشاكة" سوف تسقي سقف الثورة - الذي ما زال من طين - فيذوب ثم ينهار؟