mlogo

كتاب الرأي

صبري محمد علي العيكورة

مملكة البحرين ... يوم من الذاكرة (1-2)

أواخر ديسمبر الماضي كان (صديقي) قد سبقني الى صالة المغادرة الأخيرة بمطار الباحة ، جلس يحتسي فنجال قهوة بجانبه تمددت فطيرة محشوة بالشكولاته كان منهمكاً مع جهاز (الموبايل) يداعبه خلف نظارة سوداء ، سألني أن يطلب لي شيئاً من (الكافتيريا) فإعتذرت بأنني قد سبقته بالإفطار قبل خروجي من المنزل ثم جلسنا نتجاذب أطراف الحديث لم يفسده علينا إلا صوت النداء الأخير عبر مكبرات الصوت أن نتجه الى صعود الطائرة ،حملنا أمتعتنا الخفيفة ثم دلفنا الى درجة رجال الأعمال و هنا (بدأ الدلال) و الضيافة الفخيمة قبيل الإقلاع فالعصير و التمر والقهوة العربية ذات النكهة المميزة والسعي لنيل رضا الركاب كان هو مبتغى المضيفين والمضيفات ، حجز فاخر و كرم غير مستغرب على شركة أعطيناها شبابنا و أعطتنا كل شيء (التقنيون السعوديون للاستشارات الجيولوجية والهندسية) اسم ) بالرياض) له في سماء الوفاء وفاء . مهمة عمل خارجية لمملكة البحرين الوادعة .
 شمس الباحة كانت ساطعة في غير عادتها يغازل أشعتها هواء بارد ، ودعتنا جبالها باهتزازات على جناحي الطائرة اعتدناها و هي تحدث (رجة) تقلق القادمين الجدد الى الباحة أما نحن فقد اعتدنا هذه المداعبة (الخشنة) هبوطاً أو إقلاعاً . استوت الطائرة على (الجودي) تمخر عباب السماء الى مطار الملك خالد بالرياض ، أتحفتنا الضيافة الجوية بفيضها و تجاذبت أطراف الحديث مع (صديقي) تارةً وتارة اخرى يطبق علينا الصمت المشترك قبل أن نهرب نتفحص الهواتف ، هي ساعة وخمس عشرة دقيقة بالتمام أفقنا على صوت مكبرات الصوت تدعونا لإعادة ملحقات المقاعد الى وضعها الطبيعي وربط الأحزمة استعداداً لهبوط الطائرة .
الوقت كان ظهيرة وشمس الرياض الحارقة تهزأ بنا كنت (أهشها)عن رأسي بصحيفة ورقية أحملها أما (صديقي) فقد كفاه (الشماغ والغترة) هذا العناء ، كان علينا استغلال الحافلة لعشر دقائق تزيد قليلاً الى صالة المغادرة الدولية . البوابة رقم (1)  كانت تفتح ذراعيها لاستقبالنا حيث ينتهي بنا المطاف قبيل سلّم الطائرة ، كان المتبقي على إقلاعنا عبر طيران (الخليجية) الى (منامة) البحرين ساعات ثلاث تمددت بينها وبين بوابة الطائرة مجالس و ثيرة لصالة رجال الأعمال و طاولاتٍ من(البوفيه المفتوح) شبعت العيون قبل أن تكمل الأيادي تنقلها بينما هو حار وبارد و مطبوخ و مبشور وحلو وحامض فقد أصابتنا (البحرين) بكرمها الفيّاض قبل أن نطأ أرضها .
الرابعة والنصف بدأت عجلات الطائرة في المسير الذي يسبق الانطلاقة (الهستيرية) للإقلاع ، رحّب بنا طاقم الطائرة بلغاتٍ أربع العربية والإنجليزية وأفادوا بأنهم يتحدثون الفرنسية و لغة (الأوردو) لمن أراد ، انحسرت الخمارات الصغيرة (عمداً) عن هامات المُضيفات فتكسرت أمواجٌ من الشعر الأشقر و الأسود و في كل أنوثة و جمال، و بدأت حركتهن النشطة كما النحل يسابقن زمن الهبوط يقدمن البسمة والشاي و القهوة ، لم نطلب شيئاً أنا و (صديقي) فقد اكتفينا قبل الإقلاع ، لم أكن أنا و لا (صديقي) قد زار البحرين من قبل . كنا نناظر بين الفينة و الأخرى عبر النافذة فكل ما أسفلنا هو الماء الأحمر كخد أسيل من لون الغروب تدثر بوشاح قرمزي تتخلله إبتسامات السحب بين الفينة و الأخرى ، أين البحرين إذاً؟ (سألت) صديقي فانفجر ضاحكاً وطالبني بالصبر فما زالت أمامنا ثلاثين دقيقة على الهبوط و عندها يمكننا رؤية اليابسة هكذا قالها.
    (خمسة دنانير لو سمحت) صوت ضابط الجوازات و هو يتفحص جوازي و الإقامة السعودية وكانت هي تلك رسوم تأشيرة الدخول سألني عن الوجهة و الفندق و الغرض من الزيارة فأجبته ، ناولني  الجواز مختوماً و معه (وريقة) صغيرة عليها بياناتي و مدة التأشيرة متمنياً لي طيب الإقامة ، جلست مع (صديقي) بالمقعد الخلفي للسائق نحو الفندق أول ما يلفت الانتباه هي نظافة الشوارع و لون الأشجار توحي بأنها غريبة تعاني بيئة قاسية و البنايات بكل قبائلها تركض على جانبي الطريق فمنها الشاهق والقصير و الفخم والمتواضع و تبدو الشوارع و كأنها خالية من المارة و تكاد تجزم أن كل أهل البحرين يعرف بعضهم بعضا، أخذنا قسطاً من الراحة بالفندق . كان في انتظارنا بالاستقبال المهندس هيثم والاستاذ طارق من منسوبي الشركة ليصطحباننا الى فندق الخليج (موقع آخر) لمقابلة نائب المدير العام و تناول العشاء ، كان ذلك قرب حلول إحتفالات رأس السنة الميلادية فكل شوارع (المنامة) تحدث عن ذلك بالاعلام و مظاهر الزينة و البهجة ولم يكن فندق (الخليج) بدعاً من ذلك ، جلسنا قليلاً في بهوه نتجاذب أطراف الحديث و الأنس نحاول جاهدين سماع بعضنا البعض لصخب و موسيقى كانت تنبعث من ركن قصي . فاستقر رأي مضيفنا أن نتناول العشاء في موقع آخر يكون أكثر هدوءاً و أشار الى منطقة شعبية قريبة تكثر فيها المطاعم والمقاهي و السمر الهادئ و بالفعل تذكرت ليالي القاهرة والإسكندرية أيام الثمانينيات ، الطاولات المتناثرة على الأرصفة و روائح الشواء و (غرغرة) الشيشة و مساحة واسعة من الحرية الشخصية تصبغ المكان . كانت جلستنا رائعة داخل أحد المطاعم التراثية تناولنا الشواء و الحديث و الحساء قبل أن يختمها على بعد خطوات بالشارع المجاور (براد) من الشاي و (شيشة) أطلت بعنقها نفثها (صديقي) و زميلنا طارق في سعادة بالغة قبل أن نعود أدراجنا للنوم بعد يوم  حافل بالسفر و الطيران و الأرق ،،،، نتابع (بإذن الله) و دمتم بعافيـــــة

Who's Online

820 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search