mlogo

كتاب الرأي

صديق البادي

ثورة أكتوبر وانتفاضة أبريل والدروس المستفادة


بعد ثورة أكتوبر في عام 1964م وسقوط الحكم العسكري النوفمبري مضت الأمور بسهولة ويسر وتم التغيير والتحول من نظام حكم لنظام آخر بسلاسة لأن النظام النوفمبري أدار السودان أكثر من القول إنه حكم السودان إذ لم يكن له تنظيم سياسي وأهمل هذا الجانب إهمالاً تاماً وسعى لملء الفراغ السياسي بالتشجيع الثوري. وكانت الحياة سهلة والمتطلبات المعيشية البسيطة بمقاييس ذلك الزمان متوفرة. وكانت الفئات التي تقاوم النظام تطالب بالحريات وعدم كبتها. وأدار الحكم العسكري النوفمبري السودان عن طريق الخدمة المدنية التي كانت راسخة وقوية وكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة على رأس الدولة ويشغل كل عضو من أعضائه منصباً وزارياً وكان الرئيس الفريق إبراهيم عبود القائد العام للقوات المسلحة يرأس مجلس الوزراء بجانب رئاسة الدولة وكان مجلس الوزراء يضم خمسة أو ستة وزراء مدنيين. وعلى رأس كل مديرية من مديريات السودان التسع عين حاكم عسكري كان بروتكولياً هو الأول في المديرية ومن أهم مهامه حفظ الأمن والنظام ويدير المديرية المدير التنفيذي الذي يرأس مجلس المديرية، وكانت علاقات السودان الخارجية متوازنة ووظفت الدبلوماسية لخدمة التنمية واستثمرت الحرب الباردة بين القطبين العالميين المتنافرين وجلبت مكاسب تنموية وخدمية من كليهما مع الوقوف بوضوح مع كتلة دول عدم الانحياز ... وفي مساء يوم الاربعاء الموافق الحادي والعشرين من شهر اكتوبر عام 1964م انطلقت شرارة الثورة ضد الحكم العسكري ومن ثم تفجرت الثورة العارمة واندلعت المظاهرات الشعبية الهادرة وفي ليلة الاثنين الموافق السادس والعشرين من اكتوبر أعلن الرئيس عبود حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحل مجلس الوزراء وحل المجلس المركزي واعفى حكام المديريات العسكريين من مناصبهم، وفي ليلة الخميس الموافق التاسع والعشرين من اكتوبر وقع الاختيار على الأستاذ سر الختم الخليفة عميد المعهد الفني ليكون رئيساً للوزراء في فترة انتقالية مدتها سبعة أشهر وفوجئ الاستاذ بهذا الاختيار عندما أخطره وفد زاره بمنزله ووافق وذهب معهم وادى القسم وكون حكومة اكتوبر الأولى وفي شهر فبراير عام 1965 حل تلك الحكومة وكون حكومة اكتوبر الثانية وبعد سقوط النظام النوفمبري استمر الفريق إبراهيم عبود رئيساً للدولة لامد قصير وقدم استقالته في شهر نوفمبر عام 1965م وكون مجلس سيادة خماسي رئاسته دورية وكان من بين اعضائه ثلاثة من كبار الأطباء هم دكتور التجاني الماحي ودكتور عبد الحليم محمد ودكتور مبارك الفاضل شداد والاستاذ ابراهيم يوسف سليمان والسيد لوبجي أدوك وفي نهاية الفترة الانتقالية أجريت انتخابات عامة وتسلمت السلطة حكومة منتخبة.
وبعد انتفاضة رجب ابريل في عام 1985م وسقوط النظام المايوى كون المجلس العسكري الانتقالي برئاسة الفريق أول (مشير فيما بعد) عبد الرحمن سوار الدهب وعضوية عدد من كبار الجنرالات اختير منهم اللواء عثمان عبد الـله وزيراً للدفاع بجانب عضوية للمجلس العسكري وتم تكوين المجلس العسكري بكل سهولة ويسر وبلا شد وجذب وتم اختيار دكتور الجزولي دفع الـله نقيب الأطباء بذات السهولة واليسر رئيساً للوزراء وكون حكومته وأمضى المجلسان العام الانتقالي في انسجام  تام وكانا مجتمعين يقومان مقام السلطة التشريعية دون حاجة لتكوين مجلس تشريعي انتقالي ونفس الشيء حدث في الفترة الانتقالية التي اعقبت ثورة اكتوبر عام 1965م إذ لم يُكوّن مجلس تشريعي انتقالي. وكان العام الانتقالي 85/1986م مستقراً بدعم مالي وعيني سخي من الدول العربية النفطية الشقيقة.
وبعد ثورة اكتوبر عام 1964 وانتفاضة رجب ابريل عام 1985م مضت الامور بسلاسة كما ذكرت آنفاً وتم الاتفاق بسهولة ويسر على كيفية تكوين المجلس الرئاسي أياً كان اسمه وتم الاتفاق بسهولة ويسر في الفترتين الانتقاليتين المشار اليهما على اختيار رئيس الوزراء وتكوين الحكومة أما بعد نجاح ثورة ديسمبر 2018م – ابريل عام 2019م التي اطاحت بنظام الحكم الذي كان يرأسه المشير عمر البشير فقد حدث العكس تماماً وشهدت البلاد شداً وجذباً وصراعات حادة ومنافسات شرسة ومفاوضات عويصة معقدة حول هيكلة الحكم وكيفية تكوين مجلس السيادة ومجلس الوزراء (والمجلس التشريعي وهذا المجلس غير المنتخب يمثل بدعة جديدة في الفترات الانتقالية).... دعك من التفاصيل الأخرى التي ربما تؤدي لخلافات أشد وجراحات أعمق ولأول مرة منذ الاستقلال مضت اكثر من ثلاثة أشهر ظل السودان فيها بلا حكومة ودون اختيار رئيس للوزراء ووزراء وأصبح كالمركب التي تسير بلا شراع وترتب على ذلك اشتداد المعاناة واستفحال الأزمات وفي ظل هذه التأزمات تصبح جولات المفاوضات الشاقة أشبه بالولادة القيصرية دعك من الأزمات المتوقعة عند الخوض في التفاصيل الأخرى واختيار الأسماء. والوطن محاط إحاطة السوار بالمعصم بمعضلات اقتصادية وأمنية يشيب لها رأس الوليد مع تحرشات أجنبية والضرورة القصوى العاجلة غير الآجلة تقتضي إجراء اصلاحات جذرية في كافة المجالات وتأتي على رأسها ضرورة استئصال ميزانية التمكين والقضاء عليها قضاءً مبرماً لتكون وزارة المالية هي المهيمنة والمسيطرة على المال العام الذي استبيح واهدر. ويسجل التاريخ أن الأشهر التي اعقبت اليوم الحادي عشر من ابريل عام 2019م سادها الهرج والمرج والعواطف المتأججة والأنانية والحسابات الضيقة ولابد من اتساع الأفق وتحكيم العقل وإعمال الحكمة والسودان ملك لكل السودانيين.

Who's Online

409 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search