mlogo

كتاب الرأي

صديق البادي

لا يا د. غازي صلاح الدين

كان دكتور غازي صلاح الدين متولي العتباني أميناً عاماً للمؤتمر الوطني قبل تسجيله كحزب عند مسجل الأحزاب. وقد وقف معه الشيخ حسن الترابي رحمه الله مؤيداً ومناصراً له في المؤتمر العام الذي عقد في عام 1996 وتم انتخابه فيه، وفي ذلك الوقت كان المؤتمر الوطني مفتوحاً للجميع وليس فيه عضوية ملتزمة ومسجلة ولكل فرد الحق في أن يدخل او يخرج متى شاء ومن بين مهام القائمين عليه في المستويات القاعدية والوسيطة وما فوقها هو المشاركة في الاحتفالات والاستقبالات والهتافات ومواسم الانتخابات على صوريتها وفي التجمعات وتسيير المسيرات وتجميعها في الساحة الخضراء من الأحياء الطرفية بالعاصمة ومن عدة ولايات اخرى مع إشراك الأعيان ووجهاء المجتمع في اللجان والمجالس ومنحهم المظهر دون الجوهر والاستفادة منهم كواجهات تشريفية مقبولة ويعتبر هؤلاء مؤيدون من الدرجة الثانية وتضمهم القائمة (ب) أما القائمة الأولى (أ) فهي قائمة تضم جماعة التنظيم الملتزمين عضوياً وتنظيمياً ولهم مكاتب معلومات ورصد ومنظمات كثيرة بمسميات عديدة وسط الطلبة والشباب والنساء ... الخ مع وجود عيون وممثلين لهم في كافة المصالح والتنظيم يقوم على تسلسل هرمي من القرى والاحياء بالمدن تدرجاً لأعلى المستويات ويعتبر هؤلاء هم أهل الحل والعقد وأصحاب الجلد والرأس ويتم الصرف الباهظ عليهم وعلى منظماتهم من ميزانية التمكين ذات الإمكانيات والموارد الهائلة. وكتبت سلسلة من المقالات في عام 1997م بصحيفة أخبار اليوم بعنوان المؤتمر الوطني في الميزان وقرأ دكتور غازي مقالاتي عن المؤتمر الوطني باهتمام بالغ وأتت الصحفية الأستاذة وداد كمتور وكانت تعمل إعلامية مع دكتور نافع بالمؤتمر الوطني وتركت لي رسالة مقتضبة ذكرت فيها ان دكتور غازي يطلب مني ان ازوره بمكتبه وحددت لي موعداً وفي الوقت المتفق عليه ذهبت لمقابلته ووجدت خارج مبناهم بشارع البلدية صخباً و (كواريك) وهتافات داوية فيها تأييد للنظام الحاكم وبعد انتهاء لقائهم  بالمؤتمر الوطني اتجهوا نحو القصر الجمهوري تحملهم عربات كثيرة وعلمت انهم أتوا ليبايعوا ويعلنوا تأييدهم باسم قبيلتهم ودخلت على دكتور غازي واستقبلني استقبالاً طيباً فيه لطف وود وبعد التحية تبادلنا الملاطفات والمداعبات وقلت له يا دكتور ان ما شاهدته هنا قبل قليل يدل على سعيكم لتكريس القبلية والجهوية والمناطقية والمتوقع بهذه الطريقة ان تتبارى وتتنافس القبائل لابداء تأييدها ومن ثم تطالب بما يمكن ان تدعيه وتسميه حقوقها في الثروة والسلطة وربما يحرك بعض الانتهازيين مثل هذه المسيرات القبلية ليتخذوا من قبائلهم سلالم للصعود عن طريقها لنيل مواقع دستورية وتحقيق مصالحهم الذاتية مع سعي بعض المسؤولين الولائيين للاستفادة من هذه المسيرات لتثبيت اقدامهم في مواقعهم وضحك ووقع عليه حديثي برداً وسلاماً ولعله كان يستقبل مثل تلك الوفود القبلية المبرمج لها على غير اقتناع منه ولسان حاله يقول (مكره اخاك لا بطل).. وبدأت جلستنا في الساعة الثانية عشرة ظهراً وانتهت في الساعة الثانية الا ثلثاً (مائة دقيقة) ورغم انه طلب مني ان أحضر متى شئت الا انني لم احضر مرة اخرى وتركت تلك الجلسة التي دار فيها حوار صريح أثراً طيباً وأدركت عن قرب انه مثقف موسوعي مرتب الذهن يجيد الحديث ويحسن الإصغاء ومن الواضح انه يثق في نفسه ثقة لا حدود لها ومثل هذا يصعب ان ينقاد لغيره ولكن يمكن ان يصانع اذا اقتضت الضرورة القصوى ذلك، وهو  على المستوى الشخصي انسان جدير بالتقدير (واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية).
ومرت مياه كثيرة تحت الجسر ولما انتهت فترة شغله لمنصب الأمين العام للمؤتمر الوطني بعد ان حل شيخ حسن رحمه الله محله. وتم تعيين دكتور غازي وزيراً للثقافة والإعلام قيل انه لم يكن راضياً بهذا التعيين وسأله أحد الصحافيين ... هل ستقدم استقالتك؟ فرد عليه بسخرية لاذعة وممن يستقال؟ أي إنهم أنداد له فكيف يقدم استقالته لهم .. وبعد انتهاء مفاوضات ماشاكوس وإنهاء تكليفه صرح غاضباً بأنه مثل لاعب ماهر كان قاب قوسين او أدنى من تحقيق النصر ولكن حاسديه اخذوا العراضات وأزالوا المرمى لئلا يدخل اللاعب الماهر هدفاً ذهبياً ينهي به المباراة بفوز ونجاح وترتج جنبات الميدان بتصفيف الجماهير وهتافاتها الداوية باسمه .. وترشح لموقع الأمين العام للحركة الإسلامية في عام 2005م ونافس منافسة شرسة وكاد الفوز يكون حليفه وتداعت عدة عوامل ضده وعين بعد ذلك مستشاراً رئاسياً في منصب تشريفي لكسب وده وعهدت إليه رئاسة الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر الوطني وأعاد الكرة مرة أخرى وسعى للترشح لموقع الأمين العام للحركة الإسلامية في عام 2012م واتفق حتى المختلفين فيما بينهم على شيء واحد هو الحيلولة بينه وبين تولي هذا الموقع خشية ان يتفلسف عليهم كما زعموا او يرى انه فيلسوف النظام ومفكره وسعوا بعد ذلك لإبعاده من حزب المؤتمر الوطني وإسقاط عضويته فيه لئلا يدخل في حلبة المنافسة للمواقع القيادية في المؤتمر العام للحزب الذي عقد في عام 2014م .. وكان بإمكانه ان يتفرغ في استراحة محارب لإلقاء المحاضرات والاشتراك في الندوات والتدريس في الجامعات وكان بإمكانه إقامة مركز دراسات وإقامة منتدى وندوة دورية بمنزله يؤمها عدد مقدر من المفكرين وقادة الرأي والإعلاميين والمهتمين وتعكس أجهزة الإعلام ما يدور فيها في اليوم التالي كما تفعل مع عدد من المنتديات وحتى لو ترشح مستقلاً في انتخابات رئاسة الجمهورية ولم يحالفه التوفيق فإنه سيضفي على الانتخابات حيوية مهما كان عدد الأصوات التي يحصل عليها ولكنه اختار طريقاً آخر بطوعه واختياره وهو حر في تحديد مساره ومسيرته ولكن موقفه الأخير ابان الإحداث التي توالت في الأيام الماضية وجد استهجاناً وعدم رضا وسط قطاعات واسعة من الشعب السوداني حاكمين ومعارضين، وأعلن معارضون كثيرون أنهم كانوا على طرفي نقيض معه على مدى ربع قرن من الزمان كان فيه من الفاعلين في النظام الحاكم ووصفه الطلبة والشباب الغاضبون بأن موقفه الآني فيه انتهازية ومحاولة لركوب الموجة في الوقت الخطأ. وبالطبع ان لغازي كسبه ولكن حساباته وهو المثقف الحصيف كانت خاطئة وظلم نفسه.

Who's Online

1374 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search