كتاب الرأي

صديق البادي

نصف صابونة

أرادت امرأة أن تشتري قطعة صابونة غسيل صغيرة بما تبقى لها من مبلغ قليل كانت تحمله اشترت منه ظرفاً صغيراً الحجم فيه بدرة لبن لا تزيد عن ثلاث ملاعق بمبلغ عشرة جنيهات ورد لها البائع في البقالة ما قدمته له لشراء الصابونة لانه ينقص عن سعرها البالغ عشرة جنيهات وكانت تقف بقربها امرأة اخرى متقدمة في السن ارادت شراء صابونة غسيل صغيرة ولكنها لم تكن تحمل المبلغ الذي ذكره البائع واتفقت المرأتان على شراء قطعة واحدة بعد ان تدفع كل منهما خمسة جنيهات واقتسمتا قطعة الصابونة بسكين اخذتاها من البائع وحدث هذا على مسمع ومرأى من عدد من المشترين وتأثر أحدهم واشترى قطعة صابونة لكل واحدة منهما لتضيفه للنصف الذي تحمله . وإن هاتين المرأتين تمثلان نموذجاً حياً لشرائح عريضة من المجتمع تعيش تحت خط الفقر، ويذكّر هذا بعنوان كتاب البؤساء لفيكتور هوجو وعنوان كتاب المعذبون في الارض لدكتور طه حسين . وتسير الحياة في مجملها سيرها العادي في مظهرها العام ولكن ( تحت السواهي دواهي ) ويداري الكثيرون البؤس بعفة النفس والصبر الجميل وفي بعض الحالات قد يُحدث الضعف البشري آثاراً سالبة وممارسات سيئة ويحار المرء كيف يتسنى لذوى الدخول المحدودة مجابهة جنون الاسعار ومقاومة الفك المفترس المتمثل في فوضى وهمجية السوق السوداء . لقد بُحت أصوات المواطنين وهي تنادي باصلاح هذا الاعوجاج وايجاد علاج ناجع لهذا الداء الوبيل ولكن لا حياة لمن تنادي واصبح تناول هذا الموضوع كالضرب على حديد بارد لان من اعلنوا سياسة تحرير الاسعار كانوا يسبحون في الخيال والتنظير الاجوف الذي لا علاقة له بالواقع المعاش، وحسبوا ان وفرة السلع ستخفض الاسعار وفقاً لقانون العرض والطلب ولكن شيئاً من هذا لم يتحقق بل حدث العكس تماماً وكان عليهم أن يتدرجوا في تنزيل تلك السياسة للواقع ولكنهم قرروا بجرة قلم ودون ان يرمش لهم طرف إلغاء التموين الذي كان يوزع للمواطنين عبر اللجان الشعبية عندما كانت فاعلة وتؤدي دوراً وطنياً وخدمياً محسوساً وملموساً قبل ان يغدو دورها باهتاً بعد ان حولت دون رغبة وارادة المواطنين للجان تعبوية مع اهمال واضعاف الجانب الخدمي وادار المواطنون لها ظهورهم، وأضحت بالنسبة لهم نسياً منسياً لا يتذكرونها إلا إذا أراد الواحد منهم استخراج شهادة سكن ولا يتم التفات المسؤولين لها وتنشيطها الا في موسم الانتخابات اوالحشود والمواكب والاستقبالات. والضرورة القصوى تقتضي اعادة التموين وتوفير الضروريات باسعار معقولة عبر القنوات المختصة وتوزيعها عبر اللجان الشعبية وسيخفف هذا العبء الثقيل الذي يحمله المواطنون على عواتقهم ويصبح ترياقاً مضاداً للسوق السوداء ليحد من غلوائه وجشعه المبالغ فيه . والمؤسف ان منظري تلك السياسة ومنفذيها قد حاربوا التعاون والتعاونيات حرباً شعواء تدفعهم اهدافهم واستبدلوها ببديل فاشل تمثل في جمعيات وشركات لم تصمد ولم يستفد منها المواطن شيئاً وكانت الجمعيات التعاونية في المصالح الحكومية والقرى والاحياء بالمدن تسهم مساهمة فعّالة في تخفيف أعباء المعيشة وتوفير المواد التمونية وغيرها وتباع للمواطن بأسعار معقولة في متناول اليد.. وان الحديث عن غلاء الاسعار وجنون وفوضى الاسواق أصبح كالضرب على حديد بارد ومجرد (طق حنك ) والمطلوب من الحكومة ان لم تستطع ايقاف هذه الفوضى عند حدها ان تعيد التموين والمواد الضرورية للمواطنين بطريقة شاملة للجميع كما كان يحدث في الماضي، وان تعيد التعاونيات وهذا سيؤدي حتماً لتخفيف العبء المعيشي ويسهم في كسر شوكة السوق السوداء المسمومة وقد فتحت منافذ قليلة محدودة العدد للبيع باسعار مخفضة ولكنها لم تكن ذات تأثير يذكر، والمطلوب تعميم التطبيق على أوسع نطاق ممكن . وليس من العدل ولا المنطق السليم ان يتم احتكار واستيراد كثير من السلع الضرورية وعلى رأسها الدقيق والقمح ويجب فك هذا الاحتكار الظالم الذي تضرر منه المواطنون كافة.  وفي الايام الماضية تم استيراد كميات كبيرة من الاسمنت فهبطت اسعاره وتدنت بسرعة، وان الدقيق والقمح اهم من الاسمنت والامل ان يفتح باب استيراد الدقيق والقمح على مصراعيه مع ايقاف التهريب. وان صغر قطع الخبز وغلاء اسعاره والحصول عليه احياناً بالوقوف في صفوف يعني وجود فجوة غذائية ومن المحزن أن تلاميذ كثيرين يخرجون من منازلهم ويعودون اليها من المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي وهم جياع.. أعيدوا التموين وأعيدوا التعاون والتعاونيات لسابق عهدها من فضلكم . ولعل في هذا خطوة للأمام ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة  .
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Search