mlogo

كتاب الرأي

المقالات

طلاسم الدولة المدنية (1 ــــ 2)

عمر صديق البشير
مع تقلبات أنظمة الحكم في السودان ضمن الحلقة المفرغة التي تدور بين نظام ديمقراطي و انقلاب عسكري ثم فترة انتقالية، فإن البلاد ظلت تعيش عدم استقرار دستوري وعدم اتفاق على القضايا الرئيسة للحكم، مثل شكل الدولة، علاقة الدين بالدولة، وقسمة السلطة والثروة، وغيرها. وعلى ذات النسق، تعيش بلادنا هذه الأيام بدايات فترة انتقالية أعقبت سقوط نظام الإنقاذ بانحياز القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى إلى الثوار الذين بدأت حركتهم الاحتجاجية لأول مرة في الولايات بسبب أزمات السلع الأساسية من خبز ومحروقات، ثم تحولت إلى حركة سياسية تطالب بإسقاط النظام. وبعد نجاح الثورة برز الصراع السياسي بصورة عنيفة حول طرح مفهوم الدولة المدنية عبر وثيقة دستورية قدمتها قوى إعلان الحرية والتغيير للمجلس العسكري الانتقالي ورفضها المجلس بحجة أن كلمة مدنية لم ترد في دساتير البلاد السابقة، وهي كلمة مبهمة تحتمل كثير من المعاني في تفسيرها وتأويلها، وعليه فإننا سنتناول مفهوم الدولة المدنية وفقاً لما تم طرحه في البلاد والعالم العربي، وأقول إنه يتسم بكثير من الغموض والطلاسم التي تحتاج إلى حل وتفكيك لمعرفة ما هو نوع الدولة المدنية المطروح، ليقرر الشعب بعد ذلك قبوله أو رفضه لها، بعد توفر شرح كامل وإحاطة شاملة بهذه الطلاسم. ونجد أن الوثيقة الدستورية التي قدمتها قوى إعلان الحرية للمجلس العسكري الانتقالي، قد جاء فيها أن (السودان جمهورية مستقلة ذات سيادة مدنية ديمقراطية تعددية لا مركزية تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة بدون تمييز بسبب الدين والعرق والنوع والوضع الاجتماعي وكذلك اعترض المجلس العسكري على أن الوثيقة الدستورية لم تنص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع ومن جانب آخر تشكل تيار نصرة الشريعة ودولة القانون بقيادة عدد من الدعاة الإسلاميين رداً على موقف قوى إعلان الحرية والتغيير من الشريعة الإسلامية وطرح الدولة المدنية، وقد أورد الأستاذ محمد طه البشير في مقال له بعنوان (هوية الدولة المعركة القادمة في السودان) أن الداعية الإسلامي عبد الحي يوسف يرى أن الدولة المدنية هي تعبير غربي في مواجهة الدولة الدينية أو الدولة الثيوقراطية التي يتحكم فيها رجال الدين من النصارى ممن يمنحون صكوك الغفران وقرارات الحرمان ويتحكمون في كل شيء ويقفون سداً منيعاً دون أي تطور علمي. وحول تعريف مفهوم الدولة المدنية، فقدعرفتها الموسوعة الحرة بأنها (دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية، وهناك دوماً سلطة عليا هي سلطة الدولة والتي يلجأ إليها الأفراد عندما يتم انتهاك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك. فالدولة هي التي تطبق القانون وتمنع الأطراف من أن يطبقوا أشكال العقاب بأنفسهم).
ونجد أن الدكتورة انتصار البناء من مملكة البحرية في مقال لها حول السودان والدولة المدنية تقول (قد يستغرب البعض إذا عرف أن ليس ثمة مصطلح في السياسة يعرف بـ (دولة مدنية) هنالك مصطلح (الدولة/ الدولة الحديثة) و(المجتمع المدني) لذلك فمفهوم الدولة المدنية الذي تفجر وشاع في المنطقة العربية إبان أحداث ما سمي (ربيعاً عربياً) هو مصطلح معبأ بدلالات الهواجس العربية وتجاربها السياسية المأزومة).
وفي إشارة إلى طرح مفهوم الدولة المدنية عبر عدد من قيادات حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي، تقول دكتورة انتصار أيضاً إن (واحدة من الدلالات الخاطئة التي تمكن الإسلام السياسي من ضخها في مفهوم الدولة المدنية أنها دولة لا تحكمها قيادات تخرجت من المؤسسة العسكرية، وكان الغرض من ذلك تمرير مشروع تفكيك الجيوش العربية التاريخية وتغيير عقيدتها القتالية واستبدالها بمليشيا متطرفة)، وهو طرح يشابه ما طرحته القوى اليسارية في البلاد عبر وثيقة البديل الديمقراطي عام 2012م والتي تدعو إلى تفكيك القوات المسلحة السودانية والقوات النظامية الأخرى وإعادة هيكلتها. وحول تحليل مفهوم الدولة المدنية ومن ضمن أبحاث المركز الديمقراطي العربي، نجد أن الباحثة ياسمين أبو الحجاج عبد الراضي تورد بأنه (في الحقيقة لا وجود لمصطلح الدولة المدنية في مجال العلوم السياسية ومصطلح الدولة المدنية ليس مصطلحاً متعارفاً عليه فهو ليس له أثر في مراجع المصطلحات ومفاهيم العلوم السياسية ولا في مراجع مصطلحات علم الاجتماع، حيث تشير تلك المراجع إلى مصطلح مجتمع مدني وليس دولة مدنية) وذات المعنى نجده في كتاب حوار حول الدولة المدنية للأستاذ محمد إبراهيم نقد السكرتير السياسي السابق للحزب الشيوعي السوداني يقول إنهم قد طرحوا (مصطلح وتصور الدولة المدنية لأول مرة عام 1988م خلال المشاورات التي أجراها رأس الدولة مع الكتل البرلمانية بعد أن أقال السيد الصادق حكومته الثانية تمهيداً لتوسيع الائتلاف بإشراك الجبهة الإسلامية في الوزارة وفق شروطها بإجازة قوانين الشريعة الإسلامية خلال شهرين). وفي ذات الورقة التي ضماها الكتاب سالف الذكر، نجد أن نقد يقول إن مبادئ النظام السياسي المدني الديمقراطي التعددي هي:
أ/ المساواة في المواطنة وحرية العقيدة والضمير بصرف النظر عن المعتقد الديني.
بـ/ المساواة في الأديان.
ج/ الشعب مصدر السلطان ويعتمد الحكم شرعية من الدستور.
د/ سيادة حكم القانون واستقلال القضاء ومساواة المواطنين أمام القانون بصرف النظر عن المعتقد أو العنصر أو الجنس.
هـ/ ضمان الحقوق والحريات الأساسية السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية وضمان حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق الدولية.
و/ كفالة حرية البحث العلمي والفلسفي وحق الاجتهاد الديني.
ز/ الالتزام التام بما اجمعت عليه الحركة السياسية السودانية في إعلان نيروبي بالنسبة للتشريع ووفق هذه المبادئ يمكن أن تتسع الاجتهادات لكي يشمل مصادر التشريع الدين وعطاء الفكر الإنساني وسوابق القضاء السوداني ولعل إعلان نيروبي حول علاقة الدين والدولة والذي أصدره التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يشمل المعارضة السياسية والمسلحة بقيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان قد تم تضمين أهم فقراته في دستور 2005م الانتقالي ونجد أن الراحل الأستاذ نقد يخلص في ورقته حول الدولة المدنية أنه (على خلفية هذا الواقع الموضوعي وتأسيساً عليه تستند الديمقراطية السياسية في علاقتها بالدين على مبادئ النظام السياسي المدني الديمقراطي التعددي، والتي هي في نفس الوقت تشكل فهمنا لمعنى العلمانية. فمصطلح النظام المدني أقرب لواقعنا من مصطلح النظام العلماني ذي الدلالات الأكثر ارتباطاً بالتجربة الأوروبية).
ومن غرائب الصدف أن يتفق الحزب الشيوعي السوداني حول طرح الدولة المدنية مع المؤتمر الشعبي ذو المرجعية الإسلامية في عهد زعيمه السابق الدكتور حسن الترابي حيث أوردت صحيفة سودان تربيون الإلكترونية في فبراير 2014م خبراً منقولاً عن سكرتير الحزب الشيوعي السوداني محمد مختار الخطيب حول اتفاقهم مع الترابي حول الدولة المدنية، حيث نفى الخطيب (وجود أي اتفاق عن دولة علمانية خلال الفترة الانتقالية التي يدعو لها تحالف المعارضة، معبراً عن أن التوجه القائم يقتضي الديمقراطية، مشيراً إلى أنهم يدعون إلى دولة مدنية مؤكداً أن حزب المؤتمر الشعبي متوافق معهم على أن تكون هنالك دولة بكل صفات الدولة المدنية، وأشار الخطيب في حوار مع صحيفة (التغيير) إلى أن مسمى دولة علمانية يعكر على عضوية المؤتمر الشعبي في السودان باعتبار أن الدولة المدنية هي العلمانية لذلك تم التغاضي عن الحوار في الأمر) أي بمعنى أنهم كانوا لا يريدون شق الصف على قول الثوار في هذه الأيام وخوفاً من خروج المؤتمر الشعبي من قوى الاجتماع الوطني في ذلك الوقت، ثم التغاضي عن الحوار حول مفهوم العلمانية.

Who's Online

706 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search