mlogo

كتاب الرأي

عمر نمـــر

إلى الشباب السوداني

في العام (1956) خرج المستعمر البريطاني من السودان تاركاً لنا نظاما إداريا متميزا ، ولكن ترك معه عددا من القنابل الزمنية شديدة الانفجار في مواقع عدة بالسودان وهي المناطق المقفولة جنوب السودان وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وأقصى شرق السودان ، من 1956 __ 1958 حكمت الأحزاب السودانية بروح الاستقلال والحرية مع بداية الصراع بين تيارات الاستقلال والاستقلالية وتيار الوحدة مع مصر .
في العام (1958) ، انقلاب عسكري بقيادة الفريق عبود وهو عهد تشييد بعض البنى التحتية الجديدة وتطوير ما شيده الإنجليز وهو جهد مقدر شمل طرقا ومستشفيات وكبارٍ ومدارس ، ليترك الحكم إثر ثورة أكتوبر الشعبية في العام 1964.
ليخلف عبود الأحزاب السودانية في فترتهم الثانية وهي الفترة التي سيطرت عليها الخلافات ونشطت وترسخت فيه ظاهرة الثنائيات المدمرة وأولها العقدية بين الإسلام والعلمانية ، أي بين الاتجاه الإسلامي وأشياعه والحزب الشيوعي وحلفائه وكذلك الثنائية الطائفية والثالثة الثنائية العنصرية القبلية أي العرب والزرقة ، والثلاث ثنائيات هي التي أقعدت بالسودان وتركته خلف الأمم إقليمياً ودولياً حتى يومنا هذا.
وفي العام 1969 ، انقلاب عسكري بقيادة المشير نميري ، وفي هذه الفترة ساد السلام وحدثت التنمية في كثير من الولايات والعاصمة وشهد السودان انفتاحا دوليا واسعا وانهالت على السودان المنح والقروض من الشرق أولاً ثم الغرب بعد اتجاه الحكومة غربا لتكون ضمن حلفاء الغرب ، لتنقلب صداقة  الغرب والشرق والإقليم الى عداء وحرب في آخر عهد النميري بسبب تحويل نقل الحكومة والدولة من ثابت علماني الى ثابت إسلامي.
في العام 1985 كانت ثورة أبريل الشعبية والتي أطاحت بمايو وحلت مكانها حكومة تكنوقراط انتقالية أدارت البلاد عاما واحدا وسلمت السلطة لحكومة الأحزاب الثالثة والتي كانت مثل سابقاتها صراعات وثنائيات دمرت ما بنته مايو في سنواتها الاثنتي عشرة الزاهرة رغم تأثرها بالثنائيات العقدية  وعادت الحرب أكثر شراسة في جنوب السودان.
في العام (1989) حكمت الإنقاذ بعد انقلاب عسكري أبيض دون إراقة دماء وفي هذه الفترة عمت التنمية جميع أرجاء السودان بما في ذلك الجنوب وتم استنهاض همم الشعب وحققت الحكومة نهضة في جميع المجالات شملت آلاف الكيلومترات من الطرق القارية والولائية والداخلية ،وكذلك الحال بتشييد عشرات الكباري والأنفاق وعشرات الجامعات وآلاف المدارس ومئات المستشفيات العامة والخاصة والمراكز الصحية والشفخانات ، ومئات الميادين والأندية والمراكز والدور والقنوات والإذاعات وتم استخراج البترول والمعادن وتمكن القطاع الخاص من تطوير الصناعات التحويلية ...إلخ.
كل الإنجازات التنموية  العظيمة والتي تحققت في عهد الإنقاذ تمت بعزيمة الرجال وجماعية الأداء بالرغم من الحصار الغربي والحروب الإقليمية والنزاعات القبلية التي زرعها المستعمر إبان استعماره وهو ما أشرت له بالمناطق المقفولة ، والآن وفي السنوات الخمس الأخيرة  قل الإنتاج وسيطر وحاصر  الطفيليون وسماسرة وتجار الأزمات مواقع اتخاذ القرار وانعدمت الشورى وغيبت المؤسسات وسادت النزعة الفردية والقبلية وعادت الثنائيات بشراسة الى الشارع والجامعة والمدارس والأسواق  والولايات والمدن والقرى والفرقان.
ومن هنا ندائي  لكم ابنائي شباب السودان وانتم لم تتجاوزوا الخمسة والثلاثين من العمر ان تجلسوا أرضا مفكرين بعمق في مستقبل السودان بكم وبالأجيال التي تليكم ناشدين السلم والاستقرار ونبذ العنف ومحاربة الثنائيات المدمرة والممزقة للوطن، وان تضعوا معياركم المواطنة بعيدا عن الحزبية والجهوية والقبلية والعقدية، وان تجعلوا الوطن في حدقات عيونكم وحينها سوف تدركون عظمة الوطن وشعبه وتثقون في أنفسكم وتحسون طعم العمل والبناء والنهضة وعلى كبار أهل السودان حكاما ومحكومين ان تفسحوا المجال واسعا لأفكار الشباب والوطنيين عموما من ابناء السودان المخلصين خارج وداخل السودان للمشاركة في الحكم  خلال فترة انتقالية تكون كفيلة بالقضاء على أمراض الثنائيات الطائفية والعقدية والعنصرية وضرب الحزبية وتكوين جبهة النهضة السودانية الجامعة والموحدة لأهل السودان حاضراً ومستقبلاً.

Who's Online

1266 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search