كتاب الرأي

مجدي الحسين جبرة

كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ

نواصل ما أنقطع عن حديث ونتحدث عن درجات المسؤولية في الإسلام كما ورد في هذا الحديث: كلكم راع
أن الإنسان يُسأل عما استرعاه الله بالدرجة الأولى، أنت مسؤول عن هؤلاء الذين استرعاك الله عليهم، أنت مسؤول عن هؤلاء الذين ولاك الله عليهم، أنت مسؤول عن زوجتك, وعن بناتك, وعن أولادك, الذين جعلهم الله تحت إمرتك، وجعلك قيماً عليهم، فحتى يتحرك الإنسان حركة صحيحة ضمن الأصول, عليه أن يعتني بمن أوكلهم الله إليه، فالحديث يقول:
((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
 يمكن أن نستخدم مثلا لتوضيح الفكرة: الإنسان كلما ارتفع في الجو, اتسعت دائرة رؤيته، بل إن رواد الفضاء الذين تخطوا جاذبية الأرض، وساروا باتجاه القمر, رأوا الأرض كلها بقاراتها وببحارها .
 أنت إذا وقفت في الشارع, لا ترى إلا بضع بنايات، أما إذا صعدت إلى جبل قاسيون ترى دمشق بأكملها، أما إذا ركبت الطائرة، وارتفعت أربعين ألف قدم, ترى ما مسافته مئتا كيلو متر تقريباً، فكلما ارتفعت في الجو كلما اتسعت رقعة رؤيتك، هذا المثل ينطبق تماماً: على أن الإنسان كلما أعطي ميزة اتسعت دائرة مسؤوليته .
 معلم في صف محاسب عن طلاب هذا الصف، ثلاثين طالبًا، لكن مدير المدرسة محاسب عن سبعمئة طالب، فكلما كانت ولاية الإنسان أوسع، وأوكل الله سبحانه وتعالى إليه أناسًا أكثر, كانت مسؤوليته أوسع، فحتى يتحرك الإنسان حركة صحيحة، وحتى لا يهمل ما أوكله الله بهم, ويتحرك حركة غير صحيحة .
 النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر] هذا الحديث أصل في تحمل المسؤولية التي سوف يحاسب عنها الإنسان يوم القيامة.
 كنت أقول هذه الكلمة: زيد من الناس أنت له وغيرك له، لكن ابنك الذي هو في بيتك من له غيرك؟ من غيرك يربيه؟ من غيرك يدله على الله؟ من غيرك يعنى بصحته؟ من غيرك يعنى بدراسته؟ من غيرك يعنى بأخلاقه؟ من غيرك يعنى بمستقبله؟ من غيرك يعنى بتزويجه؟ فأنت مسؤول عن هذا الذي أوكله الله إليك، وجعلك قيماً عليه، جعلك أباً له، أو زوجاً لهذه المرأة، أو أخاً كبيراً لهؤلاء الأخوة وهكذا .
 بالمناسبة: لكن هذه المسؤولية يفهمها بعض الناس على أنها مسؤولية مادية، فالأب يتوهم أنه بمجرد أن يجلب لأولاده طعاماً وشراباً، وأن يؤمن لهم كساء في الشتاء ووقوداً, وما يحتاجون من حاجات مادية، فقد أدى الذي عليه .
 والحقيقة: أن المهمة الأكبر والأخطر، والتي سوف يكون السؤال عنها أشد هي: مسؤولية الأب عن دين أولاده, وعن أخلاقهم, وعن مستقبلهم الأخروي، لأنه ورد في الأثر: أن الابن إذا لم يعتن أبوه بدينه واستوجب النار، يقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخِل أبي قبلي .
 فالآباء الذين يعتنون بأبنائهم من حيث: طعامهم, وشرابهم, وكسائهم, وحاجاتهم المادية، ولا يلقون بالاً لدينهم, وأخلاقهم, وصلاتهم, ومستقبلهم الأخروي, ومصيرهم إلى الجنة أو إلى النار، هؤلاء الآباء قدموا شيئاً زائلاً, ينتهي بانتهاء الحياة .
 فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول:
((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
 الرعاية لا تتجزأ، الرعاية وحدة متكاملة، كما أنك ترعى صحته, عليك أن ترعى دينه، كما أنك ترعى حاجاته المادية, عليك أن ترعى حاجاته الروحية، كما أنك ترعى في ابنك ارتباطه في البيت, يجب أن ترعى ارتباطه بالله عز وجل .

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

713 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search