المقالات

مـــــــــن قـــتل الـــثوار؟

إبراهيم عيسى هدل
أعلنت وزارة الصحة عن استشهاد سبعة متظاهرين في المظاهرات المليونية التي شهدتها العاصمة المثلثة ومدن عدة أخرى في 30 يونيو، فضلاً عن إصابة 181 شخصاً، بينهم 27 بطلق ناري، ونقلت وكالة السودان للأنباء عن وكيل وزارة الصحة د. سليمان عبد الجبار قوله إن الإصابات سجلت في عدد من المدن، وأوضح أن من بين المصابين 10 عسكريين بينهم 3 من قوات الدعم السريع، مشيراً إلى وقوع 50 إصابة نتيجة للتدافع وسقوط المحتجين على الأسلاك الشائكة.
من جهتها أعلنت لجنة أطباء السودان المركزية عن إصابة 100 متظاهر في المدن التي شهدت التظاهرات المطالبة بتسليم السلطة للمدنيين، وذكرت اللجنة في صفحتها على "تويتر" أن 4 قتلى سقطوا في مليونية 30 يونيو، فضلاً عن مقتل متظاهر في مسيرة بمدينة عطبرة.
ونقلت الإعلامية داليا الياس على حسابها في تويتر عن ناظم سراج العثور على ثلاثة جثامين جوار مدرسة المؤتمر، وبعد رفض الثوار تسليم الجثامين الطاهرة إلا لوكيل نيابة، حضرت قوة تابعة "لقوات البطش والإرهاب" ــ حسب وصفها ــ للموقع وكانت المفاجأة الصادمة أن أحد أفراد القوة تعرف على ابنه ضمن الشهداء الثلاثة، مما يعني أن "قوات البطش والإرهاب" أطلقت الرصاص الحي على نفسها وأصابت فلذات أكبادها وقتلت أبناءها!!
يُحتمل أن المتسبب في قتل المعتصمين أمام القيادة العامة يوم 29 رمضان كان يخطط لفرض انقلاب عسكري أو انتفاضة محمية بالسلاح، وذلك بعد نزع الثقة من المجلس العسكري وإلباسه تهمة قتل المتظاهرين، ولكن تحرك القوات المسلحة بالقبض على منفذي الانقلاب وعزل عدد كبير من القيادات الأمنية مع انتشار الجيش والدعم السريع في شوارع الخرطوم قطع الطريق على تنفيذ هذا المخطط وهذا ما قد يفسر تبرير قطع الإنترنت لدواعي الأمن القومي.
‏تهمة تدبير الانقلاب يمكن أن تلصق بكتائب ظل النظام البائد لاستعادة الحكم، وربما تتجه أصابع الاتهام لمد ثوري راديكالي ينتهز فرص السيولة الأمنية لفرض أجندته العلمانية واستئصال حركات الإسلام السياسي، ومحتمل أن يكون الانقلاب من تدبير إثنيات مهمشة لإنهاء هيمنة النخب النيلية "ومثلث حمدي" على السلطة والثروة هذا مع تأثيرات التدخل الأجنبي بالبلاد.
‏في ظل المعلومات الشحيحة عن المحاولات الانقلابية التي أثارها العسكر عبر الفضائيات ستسود الشائعات . . وإذا ارتبنا في أحاديث العسكر بالجملة، فمن يضمن مصداقية الروايات الأخرى المشككة في تدبير الانقلابات ؟! ولو تيقنت قوى الحرية والتغيير بإدانة المجلس العسكري بجريمة فض الاعتصام، فبأي سند أخلاقي ستتقاسم السلطة مع المجرمين ؟! .
يبدو أن هناك طرفاً ثالثاً منذ أحداث الثامن من رمضان لا يريد للبلاد أن تنعم بالأمن والاستقرار ويحاول إخراج المجلس العسكري الانتقالي وقوات الدعم السريع من المشهد بالحيلولة دون الوصول لاتفاق مع قوى إعلان الحرية والتغيير واستمرار الصدام والمواجهة. وقد عبرت أطراف كثيرة عن عدم الرضا باتفاق الخامس من يوليو دون تقديم بدائل واقعية تخرج البلاد من أزماتها وتزيل فتيل التوتر وشبح الحرب الأهلية. ويغري البطء الشديد في التحقيقات، وعدم الكشف عن الجناة الحقيقيين، في ظل ما تعانيه أجهزة الدولة العدلية من ضعف ملحوظ وبيروقراطية إدارية عطلت تقديم نتائج التحقيق المستقل، يغري بالمزيد من السيولة والتشكيك في صلاحية ومهنية الأجهزة العدلية والقضائية . . فالبلاد أحوج ما تكون للإسراع في الكشف عن تحقيقات أحداث الثامن من رمضان التي مضى عليها قرابة الشهرين فضلاً عن شهداء فض الاعتصام في 29 رمضان 1440هـ، إضافة لشهداء 30 يونيو 2019م، فرؤية تطبيق العدالة ومحاسبة الجناة أدعى لتهدئة الأوضاع، وخطوة مهمة في مسار العدالة والأمن والاستقرار .
الشعب السوداني يرفع أكف الضراعة إلى الله أن يحقن دماء أبنائه ويكفيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، لذا يحزن حزناً عميقا لسقوط الشهداء والجرحى، فقطرة دم واحدة تعد خسارة كبيرة . . ولكن يبدو أن بعض النشطاء والسياسيين سعداء بإحصاء أعداد الشهداء والجرحى وبثها عبر الفضائيات العربية التي يتمنى بعضها زيادة حجم الكارثة ليستثمروا دماء الشهداء في محاصرة خصومهم وليصعد حلفاؤهم المحليون للسلطة على أشلاء الضحايا، فقبل أن تبرد دماء الشهداء كان البعض يغني ويحتفل بميدان الاعتصام دون مراعاة لمشاعر ذوي الشهداء بينهم . . فشتان ما بين نفس مكلومة وأخرى نائحة مأجورة.