mlogo

سهير عبد الرحيم

حدث في الحج (٣ ــ ٣)

في أول جمعة عقب الحج قررت ووالدتي الاسراع الى الحرم المكي لأداء صلاة الجمعة والقيام بطواف الوداع واداء صلاة العصر والعودة الى الفندق للحاق بالطائرة الى الخرطوم.
في طريقنا الى الحرم اكتشفنا أن غالبية المعابر مغلقة، سلكنا طريقاً آخر ابعد واكثر مشقة، ومن حيث اقلنا التاكسي الى حيث مضارب الحرم كان الطريق مرصوفاً بالمصلين، بشكل رهيب، لا يوجد موقع او ساحة او ظل جسر او اياً كان غير ممتلئ بالمصلين حد التدفق.
زحفنا الى الامام حتى يتسنى لوالدتي ظل تصلي فيه بعد ان يئسنا تماماً من الوصول الى داخل الحرم او أي من باحاته الخارجية، فالحرم ممتلئ وباحاته ممتلئة والساحات امامه وخلفه وعلى جانبيه ممتلئة والسوق القريب ممتلئ وموقف الباصات ممتلئ، لا يوجد شبر خالٍ.
وصلنا الى نقطة ارتكاز للشرطة تم حجز المصلين خلفها، وبسبب عجلتنا ووالدتي للحاق بالصلاة لم نحمل لا سجاداتنا ولا مظلات، فقط حقيبة ظهر بها ماء وعصير ومصحفان.
تلفتنا يمنة ويسرى, وكانت درجة الحرارة تتجاوز الـ (٤٩) درجة، والمكان مكتظ والرطوبة في أوجها، والعرق واشعة الشمس تكاد تحرقنا، فجأة مد الينا شاب ثلاثيني سوداني اسمه حسن بابكر عمر عبد الله، مد الينا مظلته واقسم بالله ثلاثاً ان نستظل بها ووالدتي، ثم اخرج قارورة ماء مثلجة، شكرته بأن معنا ماء ولكنه أصر، ثم ومع اقامة الصلاة افترش احراماً كان يحمله في كيس بلاستيك، افترشه لنا لنصلي عليه.
شكرته وقلت له فعلاً سوداني، هي نخوتهم ومروءتهم تحضر وبقوة عند الازمات.
وفي مسجد قبالة فندق بركة الأصيل بحي العزيزية، داهمني وقت صلاة الظهر قبيل الحج، دخلت لأداء الصلاة وحين خرجت وجدت ان حذائي سرق، سرت حافية القدمين حتى اسفل المسجد، كانت الشمس حارقة والأسفلت يغلي فلم استطع السير حافية، رآني احد السودانيين وعلمت لاحقاً انه يقيم بمكة، خلع حذاءه لألبسه وأقسم بالطلاق على طريقة السودانيين، ان اعبر طريقي الى الفندق وسار هو على الاسفلت الحار.
مروءة السودانيين التي تصادفك خارج السودان تصادفك ايضاً داخل السودان، لذلك تنفرج اساريرنا ونشعر براحة نفسية عند رؤيتهم.
هذا هو السوداني الذي نفخر به، يخلع نعليه لك ويفترش احرامه لأجل امرأة سودانية، ويظلنا بظله ويجلس هو تحت الشمس، ويمنحنا قارورته المثلجة ويأخذ قارورتنا الساخنة، يهتم لأمرك ويقدم كل ما يستطيعه فقط لأنك امرأة سودانية.
خارج السور
يبقى هنالك من يشوهون تلك الصورة ببدائية التصرفات، والمظهر غير اللائق والسلوك الذي لا يمت للذوق العام بصلة، دعونا في عهد المدنية نحمل ديباجة المروءة مرة أخرى ونحفظها ماركة مسجلة في السودان.

Who's Online

511 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search