mlogo

سهير عبد الرحيم

في بيتنا شهيد (٢ ــ٢)

حين ودع (علي) ست الشاي (زمزم) التي تبيع الشاي قرب منزلهم لم يحمل حديثه معها إلا روح التفاؤل حين قال (بعد العيد بإذن الله ح نحتفل يا زمزم بالحكومة المدنية )، ثم دس في يدها بعض النقود قائلاً هذا باقي حسابي، وخلي الباقي عشان حاجات العيد وبكرة مافي داعي تجي للشغل الخرطوم ح تكون زحمة.
حمل (علي) صينية افطار رمضان لبعض المشردين والمتسولين على ناصية شارع القسم الجنوبي كما أعتاد طيلة أيام الشهر الفضيل وحمل حقيبة المبيت المعتادة في القيادة العامة، تسامر قليلاً مع والده وأخواته، وغادر منزله الى حيث قضيته وثورته وتروسه، الى حيث الندوات والمحاضرات والمخاطبات والاهازيج والفرح.
لم يكتف علي في ذلك اليوم بالمشاركة كتابة فقط على صفحته في الفيس بوك، بل أطلق لايف على صفحته بعد صلاة التراويح يدعو الجميع لصبها في القيادة، بعدها تلقى مكالمة من اخته تطلب منه ان يعودوا الى البيت ثلاثتهم علي وشقيقها الآخر يوسف وزوجها، قالت له: (الناس قالوا الجماعة دييل ناوين يفضوا الاعتصام).
رفض (علي) العودة الى منزلهم وفضّل المبيت في القيادة، وطمأن شقيقته بأنه تناول وجبة السحور ويستعد لأداء صلاة الصبح، وان شقيقه يوسف بعيد عنه في الاتجاه الآخر بالقرب من قيادة القوات البرية ولكنه بخير.
أضجع (علي) وهو يحلم بالمدنية، ونام قرير العين، وحين يتقلب يمنة ويسرى لا يشاهد إلا أسوار مباني القيادة العامة، ويرى في ما يرى النائم جنوداً أشاوس يحرسونه ويذودون عنه ويفتدون الوطن بالدماء ...!!
لم يكن يعتقد أن الرصاص سيحصدهم مثل سنابل القمح تتداعى عند قطفها دون ان تملك شوكاً او رائحة نتنة او عصارة قاتلة تدافع بها عن نفسها، مثلما تفعل سواها من شجر الصبار والعُشر.
هؤلاء هم الشهداء حقاً تتمثلهم المقولة القديمة المتجددة شجرة الصندل تعطر فأس قاطعها، لا يحملون البنادق ولا يلتحفون الكلاشات ولا يتمترسون خلف الدوشكا، إنهم يحملون القضية ويلتحفون الديمقراطية ويتمترسون خلف حرية سلام وعدالة.
حكى لي يوسف في ما حكى أنه وعند بداية الهجوم، تفاجأوا بقوات والرصاص ينهال عليهم من كل حدب وصوب مع ارتكاز واضح للقناصة على أسطح مباني مجاورة، قال يوسف: اتصلت فوراً على (علي) ولكن تلفونه لم يستجب وبعدها انقطع الاتصال، وفي تلك الاثناء حدث هرج ومرج، وكانت كل الاتجاهات تؤدي الى الرصاص، وجميعها مترسة بالموت.
زحف يوسف على بطنه حتى وصل بوابة نادي الشرطة بري من الجهة الشمالية الشرقية للقيادة، فوجد سيارات مصطفة على كل الجوانب، وحسب وصفه كانت القوات على الأرض بكثافة، وقد انهالوا عليه بالسياط والعصى الغليظة، والرصاص العشوائي ظل يمطرهم بلا هوادة.. ركض يوسف وزحف على بطنه إلى أن وصل منزلهم بالخرطوم (٣) هنالك أدرك أن (علي) لم يصل البيت ...!!
خرج من المنزل يبحث عن شقيقه، ووجد أن كل الطرق لا تؤدي الى القيادة العامة، لم تعد القيادة هي القيادة ولم يعد الأمان هناك هو الأمان.
توجه من فوره الى مستشفى المعلم.. بحث بقلب الأخ عن شقيقه بين الجرحى فلم يجده.. سأل أحد الأطباء عن بقية الحالات فأجابه الطبيب بأن هناك سبع حالات وفاة فورية في الغرفة المقابلة.
دخل يوسف وهو يرفع الأغطية عن وجوه الشهداء الواحد تلو الآخر وهو يمني نفسه بألا يكون الوجه القادم وجه شقيقه، حتى جاء الغطاء الذي يرقد جثمان (علي) تحته.
خارج السور

استشهد علي وهو يحاول إسعاف أحد الجرحى.. كان الجريح يتوكأ على كتف (علي)، وحينها قرر أحد القناصة على الأسطح أن الطلقة القادمة يجب أن تكون من نصيب هذا الشاب الشهم الذي رفض أن يجري ويترك خلفه جريحاً.

Who's Online

397 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search