عبدالرحمن الزومة

تحصيل الإيرادات.. ليس مجرد جباية

عندما طلب والي الخرطوم السابق الفريق عبد الرحيم محمد حسين من الطاقم الذي وقع عليه الاختيار لتنظيم العمل في تحصيل الايرادات في الولاية, فوجئ ذلك  الطاقم بقيادة الدكتور عماد الدين عوض, فوجئوا بما لم يكن في الحسبان, وهذا ما جعل مهمتهم تبدو ولأول وهلة و كأنها (ضرب من المستحيل). لكن العزيمة التي كانوا يتسلحون بها ومظاهر الفوضى التي كانت تضرب أطنابها في ذلك القطاع خلقت لهم (قوة دفع) وإصرارا لإتمام المهمة. مظاهر الفوضى كانت أكثر مما يطويها الحصر. أولا لم يكن هنالك (حساب ايرادي موحد), وهذا أكبر نقص وخلل يمكن أن يكون في جهاز لتحصيل الايرادات, أي ايرادات, ذلك لأن هذا معناه ببساطة أن سلطة الصرف لن تكون موحدة ما دامت سلطة التحصيل ليست موحدة. جهاز التحصيل لم يكن له (هيكل اداري) ولم يكن له مجلس ادارة. كانت له عدة مجالس ادارات تتبع للمعتمدين! لم تكن هنالك لائحة للحوافز مما جعل طواقم (التحصيل الميداني) ترزح تحت نير (الظلم والغبن), فتلك الفئات هي التي تجمع الأموال ثم لا تلقى ما تستحقه من انصاف. واذا ما وقع ظلم على هذه الفئة فلا يمكن أن نتوقع منها أن تحسن عملها وهذا يلحق الضرر بالفكرة نفسها ويهزمها. هؤلاء المحصلون الميدانيون كانوا يعملون في (بيئة عمل) غاية في البؤس. لم تكن هنالك تقارير شهرية ولا معلومات. هذا  الوضع المعيب خلف طائفة من مظاهر الفشل على رأسها ضياع قدر هائل من الايرادات. الادارة الجديدة، عالجت ذلك الخلل فكونت مجلس ادارة تحت رئاسة والي الولاية. وأنشأت حسابا ايراديا موحدا و كونت هيكلاً اداريا جديدا وأعطته من المرونة والفاعلية ما جعله يحقق قفزات هائلة فى تحصيل الايرادات منذ السنة الأولى. كونت مكتب تحصيل في كل محلية من محليات الولاية السبع مما خلق (جوًا تنافسيا) وهو تنافس كان يصب في المصلحة العامة. وبدأت الحقائق تتكشف. اتضح أن هنالك موارد ضخمة كانت ضائعة في الماضي. تضاعفت  الايرادات بشكل فلكي. بدأت نسبة الزيادة في الايرادات تتخطى حاجز (المائة في المائة). جعلت الوحدة التي يتم على أساسها التحصيل هي العقار, اذ ان الفكرة هي أنه لا يوجد نشاط اقتصادي إلا في عقار, سواء أكان ذلك العقار باسم المالك  أو باسم المستأجر. تم حصر مليون عقار في ولاية الخرطوم, هذا عدا العقارات التي في الأسواق وهي ذاتها عدد ضخم. هذا الحصر يشمل (الحضر المخطط), وهذا معناه ان الجهاز يعمل على حصر العقارات في الحضر (غير المخطط) وفي الأرياف. الهدف النهائي من هذه الحملة هو ألا يكون هنالك نشاط اقتصادي إلا في عقار مسجل بصورة رسمية ونظامية وهذا ما يحدث في كل بلاد الله الواسعة. ولسنا نذيع سرا اذا ما قلنا انه ما كان لكل هذا النجاح أن يتحقق لولا الثورة الادارية التي حدثت في هذا الجهاز وتخلصه من براثن (البيروقراطية) التي كانت هي المستفيد الوحيد من تلك الفوضى التي كانت تسود الجهاز. كما أن الفضل في هذا النجاح, من بعد الله يعود الى ذلك الكادر الشاب والذكي والمؤهل بسلاح العلم والتكنولوجيا الذي استطاع الجهاز أن يستقطبه. ان الذي يتجول في ردهات ومكاتب هذا الجهاز يرى جواً مختلفا تماما عن تلك (الصورة النمطية) المتخلفة التي نراها في مكاتب الدولة من تسيب و(صحانة الفول) ورائحة البصل وطلع للفطور وقراءة الجرائد و(قطيعة النساء)! الجميع منكب على عمله. طفنا ضمن الوفد الصحفي على كل الادارات. في كل مكان كان الشرح شرحا علميا و مدعماً بالمنطق والرسوم البيانية والأرقام. ان الانطباع الذي يمكنك أن تخرج به من هذا المبنى هو أن هؤلاء الشباب هم ليسوا فقط (جباة أموال). ان وراءهم فكرة أعمق من ذلك. ان الفكرة التي يعمل الجهاز على ترسيخها هي أولاً (تقصير الظل الايرادي) مسحوبا على نظرية (تقصير الظل الاداري)  و ذلك على قاعدة حكومة صغيرة وسوق كبير. (Small government,,, Big Market) ان شبكة الرسوم وكثرتها تجعل الجهاز يعمل على تطوير عمله بحيث نصل الى (النافذة الموحدة) بحيث أن المواطن يستطيع أن يقوم بدفع كل ما عليه من رسوم من مكان واحد. كما ان عملية الحوسبة التي يتبعها الجهاز تجعل المواطن مطمئنا أنه يدفع فقط  الشيء الذي عليه أن يدفعه وهذا يقضي على مظاهر الفساد التي كانت سائدة والتي كانت تضطر المواطن  ليخضع لجشع المتحصلين الفاسدين! (عليك كده لكن ولا يهمك جيب كده!) و(كدا دى) تذهب لجيب المتحصل! المواطن يدفع خوفا من التلتلة! الآن من حق المواطن الذي يمارس نشاطا تجاريا أو اقتصاديا أن يعرف من أول العام جملة ما عليه من رسوم ويستطيع المواطن أن يقف في وجه أي متحصل فاسد يريد أن يبتزه أو يحاول أن يحول مال الشعب الى جيبه الخاص. كما ان الجهاز (يحرض) صاحب أي نشاط اقتصادي ولو حتى كانت (العوائد المنزلية), يحرضه ألا يدفع مليما واحدا دون ايصال الكتروني وهو    (E15) وهو البديل الالكتروني لـ (سالف الذكر) الذي ظل يعرف منذ عهد الانجليز بـ (أورنيك 15). ان (المرجعية) التي يعمل بها الجهاز هي أن هذه الايرادات هي حق الدولة على المواطن و من واجب المواطن أن يدفعها للدولة ومن حق المواطن على الدولة أن يتم هذا الجمع بكل شفافية وأن يتم توزيعها كذلك بكل شفافية لمصلحة الوطن والمواطن.
(*) حاشية: الجهاز أنشأ (خطا ساخنا) بينه وبين المستثمر او صاحب النشاط الاقتصادي يمكن الدخول عن طريقه الى الجهاز للاستفسار عن أي أمر. الخط هو(3115).

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

630 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search