عبدالرحمن الزومة

هذه ليست (إشاعة)...انها الشرارة لـ (ثورة تشريعية)

نشرت الصحف الأسبوع الماضي أنباء مثيرة من مدينة الأبيض مضمونها أن(اشاعة) انطلقت في عاصمة شمال كردفان حول (رجم) وإعدام مجرم قام باغتصاب وقتل طفلة قبل أن يقوم بالقاء جثتها في (بئر السايفون) في منزل مجاور لمنزل ذويها. يقول الخبر ان الآلاف من المواطنين الغاضبين قد تقاطروا صوب (ميدان الحرية) في قلب المدينة ليشهدوا ويشاركوا في (رجم) و اعدام المجرم. وما لم تفصله الأخبار هو أن المواطنين الذين استجابوا لتلك الاشاعة و توجهوا زرافات ووحدانا صوب الميدان, فهم انما فعلوا ذلك وقد كانوا على أتم الاستعداد للمشاركة فى رجم ذلك المجرم. هم لم يذهبوا لـ (مراقبة) عملية الرجم. هم ذهبوا   لصنع العملية والمشاركة فى تنفيذها. فهل بعد ذلك نسمي أن ما حدث هو (اشاعة)؟! هذه ليست اشاعة. انه (حراك تلقائي) يعبر عن (أشواق) الناس لتغيير هذا النمط السائد الآن في الاجراءات القانونية فيما يتعلق بالتعامل مع واحدة من أخطر أنواع الجرائم المتعلقة باغتصاب وقتل الأطفال. هذه الظاهرة قد استفحلت في العاصمة وبعض مدن الأقاليم وضج الناس من هولها, لكن الشيء الذي لم يفهمه الناس هو هذا البطء في تطبيق القانون بحق هؤلاء المجرمين وكأن الأمر يتعلق بسرقة قطيع من (ماعز) من (زريبة) في شرق النيل! ولقد كتب الكثيرون حول هذا الأمر ومنهم كاتب هذه السطور, وقالوا وقلنا ان التعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة من الجرائم بهذه الطرق التقليدية من شأنه أن يحدث شرخا خطيرا في المجتمع وسيدفع الناس الى أخذ القانون   بأيديهم وما حدث في الأبيض يؤكد ويدل على هذه الفرضية. فمواطنو الأبيض, وهم انما يمثلون كل أهل السودان قد طفح كيلهم وهم يتناقلون أنباء عن اغتصاب وقتل (أمنيتهم) البريئة بتلك الطريقة البشعة والذي حركهم للتجمع في ميدان الحرية هو احتجاج مسبق لما سيحدث في دواوين المحاكم، حيث ستمر الشهور وربما السنوات قبل أن يتم القصاص من مغتصب و قاتل (أمنية)! لكن الأخطر هو أنهم لو عثروا على ذلك المجرم لقطعوه إربا إربا بأيديهم! ان الذي حرك  مواطني الأبيض ليس فقط قضية (أمنية) بل انهم عندما تحركوا كانت في أذهانهم قضية اغتصاب مرام وشهد وبقية العشرات من الأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب والقتل في الخرطوم وأم درمان والمسيد وأم دوم وفي العديد من مدن البلاد. اذن يمكننا تسمية ما حدث في الأبيض بأنه هو الشرارة الأولى لـ (ثورة تشريعية) تقوم في البلاد ويكون هدفها هو تنقيح واعادة النظر في قانون الإجراءات الجنائية الخاصة بالتعامل مع مغتصبي الأطفال. ان الهدف والمأمول أن يتم تعديل القوانين الخاصة بمغتصبي الأطفال وليس الاغتصاب المصحوب بالقتل. فيكفي ادانة مجرم باغتصاب طفل حتى يكون الحكم عليه بالإعدام (ملزماً) للمحكمة. واذا ما حاولنا تبرير هذا الطلب فيمكننا القول ان مجرد اغتصاب طفلة هو بمثابة قتل لها, هذا أولا، أما ثانيا فيجب أن يتم تعديل طريقة تنفيذ الحكم بالإعدام بحيث تكون عملية التنفيذ في مكان عام أيضاً جزءا من الحكم بمعنى أن تنفيذ الحكم في مكان علني يكون أيضاً ملزما للمحكمة التي تصدر حكم الإعدام. ثالثا يجب أن يعاد النظر في سير المحاكمات نفسها بالنسبة لقضايا اغتصاب الأطفال بحيث يتم تسريع خطوات التحقيق ويا حبذا لو نصت القوانين الجديدة على محاكمة مغتصبي الأطفال أمام محاكم (ايجازية) أو ميدانية لأن هذه القضايا غالباً ما تتحول الى ما يسمى بقضايا (رأي عام), لذلك فان مشاركة المجتمع في متابعة سيرها وكذلك المشاركة ومشاهدة تنفيذ أحكامها تصبح ضرورية حتى يطمئن الناس ويتحقق عنصر (الردع) بالنسبة للمجرم ولكل من تسول له نفسه أن يقوم بعمل مماثل. ان سكان مدينة الأبيض سيكون لهم الفضل في هذا التحرك باعتبارهم (مفجري) هذه الثورة وان والي الولاية مولانا أحمد هارون سيكون له الفضل لو قاد تلك الثورة وقام بتعديل القوانين في ولايته بحيث تلبي أشواق أهل ولايته وأهل السودان في الاقتصاص من مغتصبي وقتلة الأطفال، وانه لو فعل ذلك فلن يلومه لائم, ثم ان له (سابقة) في ذلك فاللواء محمد عبد القادر (رحمه الله) عندما كان والياً على كسلا ابان العهد المايوي قام بتحريم الخمر في ولايته حتى قبل أن يحرمها الرئيس نميري (رحمه الله) في عموم البلاد في العام 1983, لهذا السبب فقد كتبت عند الناس (حسنة) للرجل سيذكرها له التاريخ, مثلما سيذكر الناس ما فعله الرئيس نميري.
 

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

Who's Online

582 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search