كمال عوض

كمال عوض

مأساة على قارعة الطريق

>  تجاوزت الساعة منتصف الليل بقليل، وأنا أعبر موقف (جاكسون) في قلب الخرطوم.
>  توقفت أمام امرأة تنام بعمق جوار طفلين لم يتجاوز أحدهما السنة الثانية، بينما امتدت أرجل الآخر لتبين أنه ربما يكون في الرابعة من عمره.
>  أجبرت الظروف الأسرة الصغيرة على البقاء جوار بركة آسنة خلفتها كسورات المياه المختلطة بما تبقى من مياه الأمطار الأخيرة.
>  جيوش من البعوض والحشرات تنطلق من البركة لتلسع أجساد الأطفال الذين اجتهدوا قدر استطاعتهم في إبعاد المجهول عنهم بحركات سريعة من أرجلهم وأياديهم الصغيرة.
>  روائح كريهة تنبعث من المكان ولا أدري كيف تعايشوا معها كل هذا الوقت.
>  أجساد ضامرة، يظهر الرهق على وجوه أصحابها بعد أن قضوا سحابة نهارهم في انتظار الفرج.
>  مستقبل مجهول وفرائس سهلة في ظلام دامس لبقية مشردين يبحثون عن مأكل ومشرب ومتعة عابرة.
>  استفزني المشهد فصرت أتجول في الشوارع المحيطة بـ (جاكسون) ووجدت مجموعة أكبر، ثم توجهت صوب (السوق العربي) لأجد مجموعات اختارت (البرندات) سكناً، وأخرى جوار كمبوني، لكن الأعمار هنا أكبر قليلاً.
>  فوضى كبيرة تحيط بأماكن سكنهم المؤقت .. بقايا الطعام تختلط بالفضلات وأكوام النفايات، لتخلق بيئة نتنة يصعب المرور بجوارها.
>  حاصرتني الأسئلة وأنا أعبر سريعاً حتى لا أثير حفيظتهم حول مصير هؤلاء المشردين، ولماذا نتركهم ليتهددهم الجوع والأمراض والموت دون أن يجدوا التفاتة من أحد؟!
>  ما هو دور الحكومة والمنظمات والمجتمع تجاههم؟ هل نتركهم هكذا على قارعة الطريق عُرضة لقسوة الحياة وتقلباتها؟!
>  أذكر أنه في بداية مشواري الصحافي قمت بتحرير مادة جريئة مع مثل هؤلاء الشريحة، أحدثت ردود أفعال واسعة وسط المجتمع بصورة أجبرت الجهات المختصة على التحرك، وبُذلت جهود خارقة وقتها لمعالجة الظاهرة المقلقة.
>  يومها سألتهم عن الأسباب التي دفعتهم نحو هذه الهوة المخيفة، فكانت في كل إجابة مأساة قائمة بذاتها أنتجتها الحروب والخلافات الأسرية والعلاقات المحرمة.
>  كلهم أجمعوا على أنهم لا يرفضون أية حلول تبعد عنهم ما يجابهونه من رعب وأهوال على الأرصفة، وتقيهم من تعاقب الفصول بشتائها القارس وشمسها اللاهبة وأمطارها الغزيرة.
>  من الممكن جداً إعادة هؤلاء المشردين إلى الحياة العادية عندما يجدون الاهتمام والرعاية، وتخصص لهم دور إيواء تعيد تأهيلهم نفسياً وجسدياً ليكونوا أعضاءً فاعلين في مسيرة البناء والتنمية.
>  هذه شريحة ظلمها المجتمع بأخطائه وأطماعه وحروبه، وآن لنا أن نصحح الخطأ.

شاركنا برأيك

هل تتوقع أن يتجاوز الطاقم الاقتصادي الحالي الازمة؟

تواصل معنا

حالة الطقس بالخرطوم

Who's Online

857 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search