mlogo

وقيع الله حمودة شطة

وقيع الله حمودة شطة

الجنيه الوطني يتعافى فجأة.. أوقفوا هذا المصطلح

قال السيد رئيس الجمهورية في سياق خطابه الأخير الذي قضى بإعلان حالة الطوارئ في البلاد, إن إجراءات اقتصادية مهمة سوف تُتخذ خلال الأيام المقبلة. وعليه قد تابع المحللون الاقتصاديون والمواطنون معاً الانخفاض المفاجئ والكبير لأسعار الدولار الأمريكي مقابل الجنيه السوداني (الوطني), حيث انخفض سعر الدولار من (74) جنيهاً إلى (52) جنيهاً خلال ساعات أو بضع أيام فقط, وهو انخفاض وتحول جاء سريعاً ومفاجئاً للمراقبين, وأعطى إشارة واضحة إلى أنه يمكن للجنيه الوطني أن يتعافى من أعراضه بصورة نهائية في مقبل الأيام القليلة القادمة ويعود إلى سابق عهده, ليساهم في النمو الاقتصادي الوطني, واستقرار سعر الصرف مقابل العملات الأجنبية, وتوازن في الميزان التجاري, وانخفاض معدل التضخم, وتوازن القرض مقابل الطلب, وإنهاء حالة الصفوف, واستقرار حالة السوق.
لكن قبل أن نطرح سؤالاً مهماً عبر هذا المقال، نود أن نتوقف في مسألة مهمة, وهي خطورة استخدام مصطلح (العملة الحرة) في مقابل العملة الوطنية أو الجنيه السوداني, أو مصطلح (العملة الصعبة) بدلاً عن مصطلح (العملة الأجنبية), أقول إن في استخدام مصطلحي (العملة الحرة والعملة الصعبة) انهزام نفسي وحضاري وثقافي وفكري، يلقي بظلال سالبة على سمعة العملة الوطنية, ومهدد اقتصادي خطير عند المقارنة والمنافسة. ولعل كثير من الاقتصاديين والسياسيين وربما الإعلاميين والصحافيين، لا ينتبهوا لأثر المصطلحات والألفاظ ودلالات الكلمات اللغوية والمعنوية في توجيه الفكر والتخطيط والثقافة العامة, فاستخدام مصطلح عملة حرة أو عملة صعبة مقابل العملة المحلية أو الوطنية يوحي بوضوح للشعب والأجيال والمتابعين بصورة عامة أن هذه العملة الأجنبية أياً كانت جنسيتها أنها أفضل وأكثر قيمة وأثراً في الحياة والاقتصاد من العملة الوطنية, ولذلك يتهافت عليها الناس ويتسابقون إلى الاحتفاظ بها وتخزينها والتعامل بها حتى خارج أطر القانون، ولو كان ذلك على حساب السياسات الاقتصادية الكلية, أو المصلحة العامة مقابل المصلحة الخاصة, وهذه هزيمة إستراتيجية. فعلى الدولة التنبه لخطورة هذا الأمر الإستراتيجي, وعليه أقترح عبر هذا المقال، منع استخدام مصطلحي العملة الحرة والعملة الصعبة مقابل العملة المحلية أو الوطنية, وأن يكتفي باستخدام مصطلح العملة الأجنبية مقابل العملة الوطنية لدواعٍ حضارية وإستراتيجية واقتصادية، وآمل أن يصدر قرار رسمي من الدولة بحظر استخدام مصطلحي عملة حرة وعملة صعبة, وأرجو أن يتدارك هذا الأمر بنك السودان المركزي, ووزارة المالية والتخطيط الاقتصادي, وأتوجه بهذا الطلب إلى السيد رئيس مجلس الوزراء في حكومة الطوارئ الدكتور محمد طاهر أيلا, الذي نهنئه بالموقع الجديد, ونسأل الله له النجاح من أجل الإصلاح الاقتصادي, ونأمل أن يصدر أمر طوارئ من السيد رئيس الجمهورية بمراجعة وحظر بعض المصطلحات والألفاظ والكلمات التي تضر بالمصالح الوطنية الإستراتيجية سواء أكان ذلك في مجال الاقتصاد أم السياسة أم الإعلام.
ثم نعود إلى فكرة هذا المقال الأولى, وهي انخفاض الدولار الأمريكي هذه الأيام مقابل الجنيه السوداني, ومهم جداً أن نطرح السؤال الآتي: ما هي الأسباب المباشرة وراء هذا الانخفاض الكبير للدولار؟
وقبل أن نُجيب عن هذا السؤال الأهم, نقول لقد بذلت الدولة من قبل عبر بنك السودان, ووزارة المالية الاتحادية جهوداً مضنية, واتخذت عدداً من الإجراءات, واتبعت عدداً من السياسات المالية والاقتصادية, وربما القانونية في سبيل كبح جماح الطغيان الدولاري والطوفان السوقي, والاختلال الاقتصادي الذي أصاب البلاد, غير أن كل هذه الحزم من الإجراءات والسياسات على أهميتها قد فشلت في الحد من ارتفاع سعر الدولار, وغلاء السوق, وزيادة التضخم التي كادت تدخل البلاد في أزمة سياسية بجانب الأزمة الاقتصادية التي تطاول ليلها, غير أنه بعد عشية وضحاها رأينا تراجعاً وتهاوياً كبيراً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه, حيث انعكس ذلك مباشرة على سعر المواد الاستهلاكية, وأوقف جانباً من التحايل والتحاجج الذي ظل يمارسه تجار السوق والسلع أمام المواطنين بدعوى أن الدولار زائد ومرتفع واستمرت نغمة الدولار الجمركي التي كأنها عرفت من جديد لبعض السماسرة.. أقول ثبت عندي جلياً جدوى الدعوات المتكررة التي ظل كبار خبراء التشريع والقانون, وأهل الإعلام والصحافة يطلقونها دائماً في وجه الدولة أن البلد غير متخلفة في مجال التشريع والقانون, فهناك قوانين كثيرة, لكن العلة الكبرى تكمن في ضعف تطبيقات هذه القوانين واللوائح المحاسبية, ولذلك الآن انخفض الدولار انخفاضاً كبيراً أمام الجنيه, وبصورة مباشرة في إطار الوضع الجديد.. وضع حكومة الطوارئ, ليس نتيجة إجراءات اقتصادية أو سياسات اقتصادية مباشرة وإنما نتيجة تطبيقات صارمة لقوانين وأوامر الطوارئ التي على أثرها اختفى سماسرة الدولار, وقل الطلب عليه, توفرت السيولة بصورة نسبية وظهر أثر ذلك مباشرة في السوق, وحمل بشريات في معاش الناس وأصبح مثاراً للرأي العام.
 إذن.. اتضحت العلة الكبرى لدى الدولة المتمثلة في ضعف تطبيق القانون, ولما رأى الناس قوانين وأوامر الطوارئ تترى, وأنشئت نيابات لمحاكم الطوارئ, وأحيلت بلاغات إلى القضاء، شعر الجناة والمخالفين بخطورة سرعة تطبيق أحكام القانون عليهم, ولذلك أصابهم الخوف من الملاحقة القانونية الرادعة، الأمر الذي عزز مقولة إذا فسدت أخلاق الناس, فإنما يزجر به الله بالسلطان أشد مما يزجر به بالقرءان وحين تسمو أخلاق الناس يكون القرءان أشد زجراً للناس من السلطان.
إذن.. الآن العلة الكبرى هي غياب تطبيق القوانين واللوائح وليس في سنها وتشريعها, فهي كثيرة وافية, ومصداقاً لهذا القول, فلقد شهدت ورشاً ونقاشات كثيرة في أماكن مختلفة حول الإصلاح الاقتصادي, وإصلاح السياسات العامة, والخدمة المدنية, ومكافحة الفساد, وبرامج إصلاح الدولة وإيقاف سيل الاعتداءات على المال العام, فكان اتفاق كل من ناقشوا هذه التحديات والمشكلات أن هناك قصور واضح من جانب الدولة في تطبيق القوانين وتفعيل الإجراءات في مواجهة المهددات السياسية والاقتصادية والإدارية, فهل تدرك الدولة هذا الخلل وتعمل على إصلاحه, لأن العبرة في تغيير السياسات والإجراءات وليس شيء سواها.

Who's Online

583 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search