mlogo

وقيع الله حمودة شطة

وقيع الله حمودة شطة

حوار الرأي العام حول الثورة (2)

حتى كتابة هذا المقال الثانى من هذه السلسلة ، والتى جاءت بعنوان حوار الرأى العام حول الثورة - وقد سبقت هذه السلسلة مقالات خمسة حول أسباب انهيار النظام السابق ، ونجاح الثورة وتحدياتها - حتى كتابة هذا المقال يعيش السودان فراغاً دستورياً فى رئاسة الدولة ( الأمامة العظمى ، والولاية العامة ) بالمصطلح الشرعى ، وهذا لا شك فيه خطر عظيم على نسيج البلاد وأمنها القومى ، وعلى مستقبل الاستقرار السياسى والأمنى فى بلد تتقاسمه وتتصارع حوله الأهواء والأغراض الذاتية الحزبية والجهوية والقبلية لا المبادئ والأسس والثوابت الوطنية المتفق عليها ! وهذا يعد حسرة وخيبة أمل كبيرة لبلد كبير مثل السودان تقدم البلدان الأفريقية والعربية جنوب الصحراء بنيل استقلاله من الاحتلال الانجليزى البغيض فى 19 ديسمبر 1955 ، وأعتمد رسمياً فى الأول من يناير 1956 ! .
أهم أسباب الخلاف الذى خلف هذا الفراغ هو - كما ذكرنا فى المقال الأول - إصرار إعلان قوى الحرية والتغيير على أخذ حق أنها القوى السياسية الوحيدة الممثلة للشعب السودانى فى ثورته التى أطاحت بالنظام السابق ، وبالتالى يحق لها هى وحدها ، أن تكون الشريك الوحيد للمجلس العسكرى الانتقالى الممثل للقوات المسلحة السودانية ، والأجهزة النظامية  الأخرى - فى تشكيل حكومة الفترة الانتقالية ! أقول هنا ثم عمدت قوى الحرية والتغيير - بعد محاولتها إقصاء القوى السياسية الأخرى ، وقطاعات عريضة من الشعب السودانى - إلى فرض أجندتها الخاصة المتمثلة فى إبعاد المجلس العسكرى الانتقالى نفسه من المجلس السيادى ، وفرض فترة انتقالية مدتها أربع سنوات بدلاً عن سنتين أو أقل كما ثبتها المجلس العسكرى وعلى ضوئها نال الاعتراف الإقليمى والدولى ! ، وكذلك إصرار قوى الإعلان والحرية التى تختصر (بتجمع المهنيين ) على تشكيل مجلس تشريعى بمفردها ! ، وفى هذا النحو سارعت بإخراج منتوج قانونى مشوه زعمت أنها وثيقة دستورية ، لترتيبات المرحلة الانتقالية ، وقد وجدت هذه الوثيقة الدستورية المزعومة انتقادات حادة وشديدة من الرأى العام وفى مقدمته كبار فقهاء القانون الدستورى ، حتى اضطرت قوى الحرية والتغيير - نفسها - بالاعتراف أن الوثيقة بها أخطاء قاتلة ، وأنها غير متفق عليها داخل تجمع المهنيين، وأنها أخرجت بعجل دون تمحيص،.. هذا الاعتراف الواضح أثار ردود أفعال واسعة وسط الرأى العام الذى ذهب أغلبه- كما نتابع ونقرأ - نحو تثبيت فكرة أن تجمع المهنيين تكوين غير متجانس، وأن مجموعاته متعجلة ومتسابقة نحو مقاعد الحكم فقط وليس إلا ، ومتجاهلة بالتالى هموم الشعب الاقتصادية والمعيشية والإصلاحية والعدلية التى من أجلها خرجت الثورة تنشد الحرية والعدالة والسلام بعد تضييق واستبداد ، وفساد وظلم ! وهذا التحليل من الرأى العام وضع تجمع المهنيين فى موضع الشك وعدم الثقة من قبل الرأى العام ، وتأكد للرأى العام محاولة تجمع المهنيين اختطاف الثورة نحو مصالح وأجندة خاصة لا تخدم مصالح الشعب السودانى ، ثم طرح تجمع المهنيين فكرة الدولة المدنية ! ، و مصطلح الدولة المدنية فقد معناه السابق  المعروف ، نتيجة تطور الصراع السياسى التاريخى ، فصار يطلق المصطلح  على الدولة العلمانية التى لا يمكن يوافق عليها شعب أغلبه مسلم ، مما أثار حفيظة العلماء والدعاة والمشايخ وأئمة المساجد بمختلف تياراتهم على حد سواء ، حتى أضطر المجلس العسكرى لتنظيم لقاء جامع مع العلماء وهيئة علماء السودان وأئمة المساجد والدعاة ، ليطمئنهم وينفى هذا التوجه، وهذا التوجه من تجمع المهنيين أفقدهم ثقة الشعب المسلم ﻷثر منابر المساجد الكبير فى توجيه الرأى العام ، و الحياة العامة ، والإسلامية والدعوية منها على وجه الخصوص .
ومضى تجمع المهنيين فى أخطائه الكبيرة بمحاولة تحريض الثوار على المجلس العسكرى الانتقالى الضامن الوحيد للأمن القومى ! ، وقد ظهرت آثار هذا التحريض فى الانفلات الأمنى وعمليات النهب والسرقات النهارية و التفتيش للمواطنين من قبل أناس لا يحملون صفة قانونية ،  والتى انتشرت فى الشارع العام بصورة مزعجة ومقلقة للرأى العام ، الأمر الذى عاد على تجمع المهنيين بالوبال الكبير ، حيث ضربت صفوفه الخلافات العميقة ، وظهر ذلك فى تعدد منابره وتصريحات قياداته المتضاربة ، بل نما إلى مسامع الرأى العام أن تجمع المهنيين يخفى حقائق ومعلومات حول السير الذاتية لممثليه بالخارج ، وأن بعضهم يحملون جنسيات مزدوجة ، مما أثار مخاوف الرأى العام حال مجيئهم إلى داخل البلاد واستلام السلطة فى راهن هش ومعقد ، وهم يحملون أجندة خارجية ؟ ولما كان مصطلح ومسمى تجمع المهنيين يشمل كل المهنيين ، فقد تعالت أصوات مهنيين كثر فى مهن مختلفة أنهم ليسوا جزءاً من هذا الحراك المهنى الذى يتحدث باسمهم كمهنيين ، مما دفع بظهور مكونات مهنية وشبابية جديدة وبعضها من داخل ساحة الاعتصام ، هذه الصورة من حوار الرأى العام جعلت المجلس العسكرى الانتقالى فى مرحلة انتباهة جديدة ، وهى ضرورة مشاركة كل القوى السياسية والمجتمعية السودانية فى إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية القصيرة ، ويسند المجلس العسكرى فى هذا موقفان : الأول الاعتراف الإقليمى والدولى به ، والآخر الرأى العام السودانى وغالبية القوى السياسية السودانية فى استمرار المجلس العسكرى كضامن للسيادة والأمن فى المجلس السيادى ، ورفض الرأى العام الاعتراف بتجمع المهنيين ممثلاً وحيداً لثورته .
وقد عضد ذلك لقاء قاعة الصداقة بين المجلس العسكرى الانتقالى وقادة الأحزاب ، والحركات ، والمنظمات ، والكتل السياسية والمجتعية تأكدت فرضية الرأى العام فى لقاء جمع أكثر من 1500 من قادة الشعب السودانى بمختلف اتجاهاتهم فى لقاء الاستماع لتقرير اللجنة الفنية المختصة التى كونها المجلس العسكرى لدراسة الرؤى والأفكار التى تقدمت بها هذه القوى الحزبية والمجتمعية ، حيث افتتح وختم اللقاء الفريق أول ركن ياسر العطا عضو المجلس العسكرى ، وقدم التقرير الفريق أول ركن عيسى إدريس عضو المجلس العسكرى ، حيث جاء فى ملخص التقرير حول الرؤى والأفكار التى قدمت ، والتى شملت 177 رؤية منها : 66 رؤية للأحزاب ، و32 للحركات ، و42 للمنظمات ، و29 للتحالفات والكتل ، و9 للأفراد ... 79 فى المائة من هذه الرؤى والمقترحات رأت أن يكون المجلس السيادى عسكرى بحت ، و21 بالمائة منها رأت أن يكون عسكرى ومدنى ، 67 بالمائة من الرؤى قالت أن يكون رئيس الوزراء قومى ، و23 بالمائة منها رأت أن يكون بالتمثيل يعنى حزبى ، و78 بالمائة من مجموع الرؤى يرى أن يكون مجلس الوزراء من التكنوقراط، و22 بالمائة منها رأى أن يكون مختلط ، 84 بالمائة من الرؤى ذهب أن يكون المجلس التشريعى بالتمثيل العام ، و16 بالمائة منها رأى أن يكون محاصصة حزبية ، و اتفقت الرؤى وجميع الأفكار على الإبقاء على الولايات الثماني عشرة كما هى ، وأن يكون خمسة وزراء وخمسين عضو مجلس تشريعى لكل ولاية ، واتفقت الرؤى على الإبقاء على دستور 2005 مع بعض التعديل .... نواصل =

Who's Online

1365 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search