mlogo

وقيع الله حمودة شطة

وقيع الله حمودة شطة

نظرية الفوضى السياسية في السودان 2

ذكرت في المقال الأول أن نظرية الفوضى السياسية التى كان مدخلها تحريك الشارع العام عبر المظاهرات قد أخطأت طريقها في التنظيم والتخطيط،  وبالتالى غابت الأهداف الواضحة فيها ، بل حاولت تعتمد على أكثر  من هدف ووسيلة في سبيل الوصول الى غايتها الكبرى التي تتمثل في إسقاط النظام عبر إسقاط حكومة الوفاق الوطنى الوليد الشرعى لمؤتمر الحوار الوطنى الذى شاركت فى مخرجاته – كما أشرت من قبل – هذه القوى السياسية المتظاهرة والمنسلخة الآن من الحكومة .
راهنت قوى التغيير الجديدة على عدة عوامل مختلفة تنتهى  بها فى خاتمة المطاف إلى هدف واحد ، هو إسقاط المؤتمر الوطنى ، ولذلك بهذا الهدف دخلت بعض القوى السياسية الحوار الوطنى ، وشاركت في حكومة الوفاق الوطنى سواء أكان  ذلك في الجهاز التشريعي أو الجهاز التنفيذي على  مستوى الحكم الاتحادى  والولائى ، وربما أيضاً- المحلى ، وحاولت هذه القوى تطويع مخرجات الحوار الوطنى نفسها في اتجاه إضعاف  نفوذ  ومراكز قوة الحزب الحاكم ( المؤتمر الوطنى ) ولذلك  كنا نتابع عن كثب الأحاديث الكثيرة حول كيفية تطبيق وتنزيل توصيات ومخرجات الحوار الوطنى ، وفى ذلك  كانت هناك حالات استعجال وشفقة غير مبررة في  معالجة هذا الملف ، و ظهر  ذلك جلياً فى قانون الانتخابات وأحاديث الدستور ، و إنشاء المفوضيات ، وتعديلات قوانين الإعلام وجهاز الأمن والمخابرات الوطنى والدعم السريع والأجهزة النظامية الأخرى .
ثم راهنت هذه القوى السياسية في مرحلة لاحقة على مشروع اصطفاف القوى المعارضة جميعها فى مواجهة المؤتمر الوطنى ،  وبعض حلفائه من أحزاب الوحدة الوطنية ، ثم أحزاب الحوار الوطنى لاحقاً ،  ولذلك رأينا قوى المستقبل التى ضربها زلزال الخلافات الحادة فيما بينها حتى انقسمت ، ورأينا – أيضاً- لاحقاً قوى التغيير ، ثم الجبهة الوطنية للتغيير التى تتزعم الآن المظاهرات ومحاولة تحريك الشارع العام ، لكنها لم تستطع قيادة المظاهرات فى الاتجاه السلمى ، فتحولت المظاهرات إلى العنف والاتجاه نحو تخريب الأملاك  والممتلكات العامة والخاصة ، ظهر ذلك بوضوح فى نهر النيل والنيل الأبيض والجزيرة .. في عطبرة  وربك ،  وبصورة طفيفة فى جنوب كردفان فى الترتر ، وفى الرهد أبودكنة بشمال كردفان ، وفى الحصاحيصا بولاية الجزيرة ، وفى النهود بولاية غرب  كردفان ، لكن تمت السيطرة عليها جميعاً ، وكانت هذه بمثابة ضربة قاتلة فى أم رأس المعارضة ، لأنها كانت ترمى إلى  تحريك الجبهة الداخلية للدولة أحد الأضلاع الثلاثة لنجاح مسيرة إسقاط النظام  والدولة وهى الدعم الخارجى ، وتحريك القوات المسلحة للمشاركة فى التغيير السياسي بجانب الضلع الأول خروج الشعب عبر تحريك الجبهة الداخلية ... واعتقد كان هذا الرهان الأكبر خاصة بعد تلاشى الأمل فى الرهان الأول ( قلع النظام ) عبر الحوار وربما ضعف هذا الرهان لعدة أسباب منها : إجازة قانون الانتخابات خاصة فى مادة أيام الاقتراع التى ثبتت على ثلاثة أيام بدلاً من مقترح المعارضة الذى قدم فى الهيئة التشريعية القومية ، وهو يوم واحد  للتصويت ، وكان هذا فى حد ذاته استعجال غير مدروس ولا يتكئ على سابقة ، ولذلك فى تقديرى فشلت قوى المعارضة فى تحقيق أى توفيق فى محور الأضلاع الثلاثة ، تحريك الجبهة الداخلية ، وتحريك القوات المسلحة ، واستمالة الدعم والتعاطف الخارجي ، وإن بدأ الأخير في أشكال صورية لبعض القنوات العالمية والإقليمية  ، إلا أن أثر ذلك كان غير كافٍ فى مقابل الضلعين الأولين ، وهما الأقوى والأكثر أثراً فى المعادلة السياسية والأمنية .
القوى المعارضة التى وراء المظاهرات الأخيرة ، والتى بالطبع وكالعادة يقودها الشيوعيون ومنسوبو الحركة الشعبية حين شعرت بفشل الترتيبات وخسارة الرهان حاولت تذكية العنف وتشريع التخريب فى الممتلكات العامة والخاصة ، وهذه جاءت فى إطار ( غضبة قمحان ) ولكنها من حيث لا تدرى طمست عينها الوحيدة التى ظلت تنظر بها إلى مشهد الإصلاح السياسي والاقتصادي فى السودان ، وكما ذكرت من قبل نسيت هذه القوى السياسية واجباتها الوطنية بوصفها إحدى منظمات المجتمع المدنى ، لكنها متقدمة في التنظيم والانضباط عن منظمات المجتمع المدنى الإنسانية والخيرية التى أعتقد أنها الآن تتقدم وتتفوق على منظمات المجتمع المدنى الفكرية والسياسية (الأحزاب السياسية الوطنية) بعشرات الأمثال . إلا من نشاط لبعض رؤساء الأحزاب الذى يأخذ الجانب الشخصى والقناعات الشخصية أكثر منها من أن تكون رؤية الحزب كمواقف عبده جابر، والطيب مصطفى ،  وإبراهيم آدم إبراهيم الإيجابية من قضية التخريب الأخيرة التى ارتكبتها القوى السياسية المعارضة المتظاهرة والمنسلخة ، التى يقودها الشيوعيون وبقايا الحركة الشعبية المنقسمة على نفسها ، والتى أدمنت الفشل السياسي وعدم التفريق بين مصالح الوطن والنظام .  

Who's Online

853 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

Search