الأربعاء، 22 تشرين2/نوفمبر 2017

board

(سيدون) الغربية (العبكة).. حياة محفوفة بالمخاطر

سامي الطيب - بعد ساعة ونصف الساعة شرقي عطبرة ينجح البوكس المصنع محلياً (برينسة) في قطع أكثر من (70) كيلو متراً جلها مسفلت للوصول الى ريفي (سيدون) الشرقي حيث توجد قرية وادعة ومركز لحركة تجارية لأكثر من خمسين قرية تتمدد على ضفتي نهر عطبرة يصلها التجار من كل حدب وصوب،

حتى تجار كسلا والقضارف وحلفا . يفصل بين سيدون والعبكة نهر عطبرة وترقد على ضفته الغربية ومعها أخريات. أهلها الميرفاب والجعليون يحملون صفات الكرم والشهامة، يمتهنون الزراعة بكل أنواعها (ذرة وطماطم وبصل) وغيرها من الخضروات والبقوليات يمدون بها عطبرة والدامر وكل ولاية نهر النيل. ومنطقة (العبكة) جعلها نهر عطبرة أكثر بهاءً وجاذبيةً ووداعةً، يزرع أهلها في غربها ويمنحون شرقها الخيرات، يجتهد أهلها في نمائها وتطويرها في ظل حياة تحفها المخاطر من كل جانب. «الإنتباهة» عايشت تفاصيل حياة المواطنين ومعركتهم اليومية مع عبور النهر بعربة «الكارو « وعلى الأرجل وخرجت بالتالي:
معضلة العبور
تتكئ منطقة (العبكة) على ضفة النهر ومنفذها الأساس والرئيس (سيدون) الغربية. يمارس المواطنون فيها تجارتهم ويرسلون لها أبناءهم للثانوية وحتى علاجهم إضافة لمنتجاتهم الزراعية وتسويق ماشيتهم ، ولكن كل ذلك يحتم عليهم عبور النهر وصولاً إلى (سيدون) فلا شيء يحملهم إلى الضفة الأخرى لا مركب ولا عبارة ولا كوبري ، بل يعبرون النهر "بالكارو" ويخوضونه راجلين في كل الأحوال والفصول صيفاً وخريفاً وشتاء وقت انحساره وزمان فيضانه فهذه الدورة مستمرة سنين عدداً معاناة ومشقة دائمتين حيث لا توجد في منطقة (العبكة) مدرسة ثانوية واحدة علماً أن عدد سكانها ألف نسمة.. كل طلابها وطالباتها البالغ عددهم " 200" يدرسون في( سيدون ) يعبرون النهر غدواً ورواحاً طيلة فترة الدراسة تارة على ظهر" الكارو" وكثيراً راجلين الأمر الذي تسبب في إرهاق الطلبة وأهاليهم وهجر الكثيرون منهم مقاعد  الدراسة فالنهر في كثير من الأوقات يكون بارداً إلى أبعد مدى في فصل الشتاء. ولا يمكن لأحد في ساعات الصباح الباكرة المجازفة بالدخول فيه إلا مجبراً وعندما يكون في ذروة فيضانه لا يقبل ولا يستقبل أحداً ، بسبب هذه الظروف كثيرون من أبناء العبكة هجروا مقاعد الدراسة وامتهنوا مهناً أخرى والكثيرات من الفتيات تركن الدراسة وفضلن المنازل على الأهوال، وهاجر آخرون إلى داخل الولاية وخارجها ونسبة التسرب من مقاعد الدراسة تكاد تصل الى سبعين في المائة. ففي سن التحصيل الدراسي الأولى وهؤلاء تركوا الفصول الدراسية وامتلكوا" كاروهات" ينقلون بها المرضى والبضائع والمسافرين عبر النهر تعود عليهم دخلاً يتناسب وأعمارهم رأيت أحد الآباء يحمل ابنه على "كارو" وهو مغطى ببطانية يعبر به النهر في مشقة بالغة ليوصله الى الطبيب.
عودة للدراسة
خلال رحلتنا الى العبكة مستخدمين "الكارو" برفقة الأخ السفلاوي صادفت أحد الصبية يسمى( فضل المولى خلف الله) علمت أنه ترك الدراسة قبل عام ويعمل في هذه الكارو. تحدثت إليه كثيراً عن أهمية المدرسة وضرورة العودة الى فصول الدراسة إلا أنه رفض الفكرة نهائياً. اقترحت عليه العمل بعد الدوام المدرسي أيضاً رفض رفضاً قاطعاً. ما وجدت شيئاً من التحفيز إلا وأغريته به أخيراً عرضت عليه ظهور صورته في الصحيفة. وافق على هذا العرض على الفور وبسرور بالغ. قلت له: (أي واحد من أصحابك يرجع المدرسة أنا بجيبو في الجريدة). والآن هو في انتظار وعدي.
السقوط في النهر
صادف عبورنا الى المنطقة انتهاء الدوام الدراسي وعودة عدد من الطالبات إلى الديار، عايشت معهن تفاصيل معاناتهن القاسية في عبور النهر فكل واحدة منهن عليها العبور بحذر والمحافظة على احتشامها من زاوية والحرص على حقيبتها المدرسية من جانب آخر وقد لاحظت أن بعضهن يحملن الكتب والكراسات على أيديهن مع الأخذ في الاعتبار أن أطراف النهر بالغة الخطورة وبالفعل فقدت إحدى الطالبات توازنها مما أدى الى سقوط كتبها في الماء في مشهد يعبر عن أن هذه المعاناة المستمرة كفيلة بإدخال اليأس في النفوس وعدم مواصلة الدراسة . معاناة أهل العبكة لم تقف عند إنسانها فحتى المواشي تعاني في العبور من وإلى السوق يهلكها السير في الماء وتصارع التيار في كثير من الأوقات لذا كثيراً ما تصاب ببعض العيوب الشيء الذي يقلل من قيمتها المادية.
عبور بالكارو
بعد عبوري (بالكارو) والماء يلامس سطحها ووصولي إلى العبكة التقيت العم مصطفى عوض الكريم علي أو الجد كما يناديه أهل المنطقة مسؤول اللجنة الشعبية .قابلته وهو قادم لتوه من زراعته حاملاً علف ماشيته . تجولنا في المنطقة وسرد لي الإشكالات التي تواجهها وقال إن عدد سكان المنطقة في آخر إحصاء كان ألف نسمة وأول مدرسة تم إنشاؤها كانت في العام 1948م سكانها منذ المهدية وهم جعليون وفاضلاب.
إشكالات أساسية
(الجد) قال إن المنطقة تعاني من إشكالات أساسية ذكرها بالترتيب: الكوبري وعدم وجوده يشكل هاجساً ويعيق تجارتنا وأولادنا يعانون لأنهم يدرسون بالجانب الآخر والقرية تفتقد لطبيب ولا يوجد مساعد طبي أو حتى ممرض. وقال: (البندول إلا نقطع ليهو النهر). ولا توجد قابلة وكثيراً ما نجبر على عبور النهر الساعة الرابعة صباحاً في حالات ولادة إضافة إلى عدم وجود مدارس ثانوية لا بنين ولا بنات.
حلم الكوبري
يواصل رئيس اللجنة الشعبية في حديثه ويقول: المعاناة حاضرة بشدة وسعينا كثيراً لتخفيفها في إطار ذلك حضرت إلينا الجهات الحكومية بمعدات متكاملة لإنشاء كوبري وفرحنا بذلك كثيراً لكن فرحتنا لم تدم لأن الكوبري تم تحويله دون معرفة الأسباب وتم إنشاؤه على بعد 4 كيلو في مكان لا يستفيد منه إلا المهربون. وطالب (الجد) بمدرسة ثانوية وطبيب لأهل المنطقة وقابلة وطريق للعبور.
نقص الإجلاس
وقال يوسف بن يوسف صاحب دكان يجاور المدرسة الأساسية إن الطلاب يتناولون وجبة الإفطار عنده، مضيفاً أن المدرسة ظلت بدون معلم لغه إنجليزية منذ «6» سنوات. ولكنه عاد وقال (إلا العيال بنجحوا بعد دا كلو). فيما أكد مدير المدرسة الأستاذ علي أن المدرسة تعاني من نقص في الإجلاس والكتاب المدرسي وقال إن المدرسة لم يزرها موجه من مكتب التعلم منذ «10» سنوات، كاشفاً عن نقص في المعلمين مما يتسبب في إعاقة الدراسة. مؤكداً على أنه لولا الدراسة في الخلاوى لما نجح فيهم أحد في امتحان الأساس مع العلم أنهم لا يدرسون إنجليزي ويمتحنون مادته.

الأعمدة