الأربعاء، 21 شباط/فبراير 2018

board

والقهوة.. في دانقة البوني

> أستاذ البوني..
> نوشك أن نبدأ حديثنا هذا/ وسوف تعرف لماذا/ بسؤالك
(يا زميل أرجوك قل لي بكل صراح
النسيم يشفيني أم يزيدني جراح)

>...
> أونبدأ حديثنا هذا بسؤالك عن (البون).. ما هو..
> ونشرح.. ومن الشرح أن المذهول تتعلق عيونه بأول شيء تقع عليه عيونه في لحظة المصيبة.
> وهذا نشرحه بقصيدة (فدوى طوقان).. القصيدة ترسم كيف أن الحبيب حين يسمع وفاة حبيبته تظل عيونه معلقة بخيط عنكبوت كان أمامه..
> وناس علم النفس يفسرون هذا
.. أو نبدأ حديثنا هذا بالإشارة إلى أن البوني حديثه .. كتاباته.. شيء مثل قهوة الحبوبات ساعة المغرب.. والقهوة هناك مرة.. حارقة.. سوداء.. لذيذة مرفوضة يرشفها كل أحد
> والأنس هناك له صفات القهوة هذه ذاتها..
> أو نبدأ حديثنا هذا بالحديث عن (الإدمان)
> والحديث عن الإدمان ما يأتي به هو حديث الرئيس الأسبوع الماضي عن أن بعض البنوك تمارس (الربا) وتغطيه بعمامة إسلامية
> عندها.. عند حديث الرئيس.. نستعيد إدمان يسمى (التعوّد)
> وإدمان التعوّد إدمان تعرفه وتعرف أين وصل إن أنت قرأت مقدمة صحيح الإمام أحمد بن حنبل فمن يكتب المقدمة هذه يحدث عن (قضاة يصلون.. ويقيمون الليل ويدمنون التسبيح والتهليل.. فإذا جلسوا للقضاء لا يعرفون عندها إلا القانون الهندي وشروحه السويسرية و.. و) والإسلام ساعتها تحت شجرة يكرع الرياح في الخلاء البعيد
> إدمان..
> والبلد كلها والأمور كلها والناس كلها ما يقتلهم هو التعوّد هذا.. هو الإدمان.. هذا
( أهل البنوك الذين يشير إليهم حديث البشير.. قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون.. حتى إذا جلسوا في مكاتبهم في البنوك اكلهم التعوّد.. ما اعتادوا عليه من إدمان وهو شر من إدمان كل المخدرات).
> وأهل البنوك وأهل القضاء .. وأهل كل شيء ما يكتف سيقانهم هو الإدمان هذا
> فالناس كلهم.. كلهم.. كلهم.. مخلصون في حل المشاكل .. حراص عليها .. جادون في الحلول لكن
> في سطور قادمة من حديثنا هذا تجد شيئاً يرسمه علم النفس عن الجمع بين الإخلاص.. للهروب من المشاكل.. وبين التعوّد الذي يصبح حبالاً تمنع الهروب
> ويرسمون فأر التجارب.. ففي المعامل.. الفأر يضعونه في صندوق له عشرة أبواب.. لكنهم يضعون له الطعام خلف باب واحد بعينه إذا فتحه وجد الطعام.
> ويوماً يغلقون هذا الباب والطعام خلفه.
> والأبواب الأخرى مفتوحة يستطيع أن يخرج منها للطعام.. لكن الفأر يظل يدق الباب المغلق/ حسب ما تعوّد/ حتى يموت هناك
> النفوس بعضها.. عند التعوّد تفعل هذا
(2)
> والخوف يا بوني.. الخوف من زهجك ومن زهج الناس من المقدمة يجعلنا نقطعها.. وندخل في الموضوع.. فأنت الساخط الهادر والشاكي تسأل عن الشعوب التي تقتل نفسها..
لماذا
> والخوف.. الخوف من زهج الناس يجعلنا.. حتى لا نشرُّ الحديث نقف عند السودان
> فالخراب عندنا عنوانه هو .. الانفجار والقتال والموت
> ونحن.. رصيدنا من الانفجار بعضه القليل هو (وفي العاصمة فقط)..
>1953 مذبحة الأنصار 1958 مذبحة الجنوبيين (بعد أن خرجوا من المكتبة القبطية يقتلون الناس.. حين جاءت إشاعة أن سانتينو دينق قتله الشماليون)
>1970 مذبحة الشجرة أمدرمان
> 1971 مذبحة الشيوعيين ومذبحة بيت الضيافة
> 1976 مذبحة الجبهة الوطنية من ليبيا
> 2008 مذبحة خليل إبراهيم
> و..
> وفي الأقاليم مذابح التمرد جنوباً ومذابح التمرد غرباً
> و.. جنون؟!..لا..
> وكلمة (لا) هذا تفسرها ملاحظة صغيرة هي
> ملاحظة أن مذبحة 1976 يصنعها القذافي.. ليست سودانية
> مذبحة بيت الضيافة صلتها بالخارج شيء.. مثل حكاية الطائرة العراقية التي اسقطت والتي جاءت لدعم انقلاب هاشم العطا
> ومذبحة خليل صناعة مصرية/ تشادية
> و..
> المذابح ليست سودانية (والربيع العربي الذي يرفضه السوداني)
> لكن.. ما يذبح السوداني هو شيء آخر.. غريب جداً
> ما يذبح السوداني هو أن (العقل السوداني يربط في وتد الستينات)
> وفي الستينات كان الشعور العام هو أن الثورات والانتفاضات والخرابات أشياء تهدم الحكومة فقط .. وأن المجتمع يبقى سليماً.. يأكل الفول ويغني مع وردي ويشهد هلال مريخ
> والمفهوم هذا ما يشفيه (الآن) هو مشاهد العالم العربي الذي تتحدث عنه يا بوني
> شاهد الخراب الذي لا يتصوره عقل.. وسوريا خراب واليمن خراب.. وليبيا خراب و..
> الآن الخراب ليس شيئاً يصيب الحكام والحكومات عند الثورات
> الآن الثورات تديرها أصابع أجنبية دقيقة بحيث تصبح شيئاً يمسح خمس دول بالمدفعية .. ويجعل أهلها من لم يمت منهم بالمدفعية والطيران مات في البحر وهو يحاول أن يصل أوروبا ليجد الرغيف.. مجرد الرغيف.
(4)
> البوني..
> ننفجر لأننا...
> هل تعرف لماذا لا يبكي من يسمع موت حبيب له وهو بعيد عن الأهل.. ثم ينفجر يبكي بعنف مجنون حين يلقى الأهل عند عودته؟
> ينفجر لأنه يلقى من يحمل من المواجع مثل ما يحمل هو
> ونحن يا دكتور ننفجر الآن لأننا نجد من يحمل من المخاوف والألم والجنون مثل ما نحمل
> كل هذا.. مثل ما نحمل
> وكل هذا.. حتى الصراخ هذا والجري هذا.. أشياء ليست هي ما نريده
> ما نريده يا بوني هو أن (نكف.. نكف.. نكف) عن الصراخ والجري والشكوى.. و(ذلك) كما يقول كتاب (العرضحالات) وذلك بأن نستبدل كل هذا بشيء صغير.. هو..
> أن نفكر.. وأن نستبدل وأن نعاين في المرايا وأن نكشف الدمل المنوسر في عقولنا وأن نسأل (لماذا نحن مصابون بهذا) وأن نوقف الشرب من نهر الجنون هذا
> وأن .. نعيش في عالم اليوم.. و
BACK TO THE DRAWING BOARD
(7)
> بوني..
> الليلة نطلق الحديث.. نطلقه على طول ذراعنا.. وعلى أهل الصفحة الأخيرة في «الانتباهة» أن يشوفوا ليهم بلد..
> وحدث صاحب الحانة ينزل لي الراية
> ونكتب ونشرح لأننا (قنعنا من أن يفهم الناس بالإشارات).. و(حدث صاحب الحانة أن ينزل لي الراية) هي صلاح أحمد إبراهيم.. حين أراد أن يطلق حديثاً طويلاً و(الجملة) هي ذاتها جملة (هتاك غايات التجار) ومعناها أن العربي زمان حين يدخل على صاحبة الإنداية يجعل صاحبة الإنداية تنزل الراية لأنه قد اشترى كل ما عندها من خمر
> (والغاية) هي الراية
> ونشرح .. والترابي / الذي هو الترابي.. أفصح خلق الله/ كان يعود للقاموس طوال حياته
> ونحن ننزل الراية لأننا نريد أن نشرح
> فالناس.. كل الناس .. كل أحد يظن أنه فاهم.. فاهم
> وهكذا يهلك.. وهذه من الأوتاد في سيقاننا التي تجعلنا (نسف حب الخمخم)
> نشرح يا بوني نشرح
> ومن يصرخ عن (حرية التعبير) مثلاً لا يخطر له أن حرية التعبير شيء لا يعني أن ما يقوله هو الصواب
> ونشرح أن القانون الذي يعطي رخصة لعربتك التي تنطلق بسرعة مئتي ميل في الساعة هو ذاته القانون الذي يعتقلك إن أنت أطلقت العربة هذه بسرعة مائة ميل في الساعة.
(8)
> حرية.. حرية.. وتحذير من (وتد) نقول إنه يربطنا بعالم الستينات.. وحرية مثلها مثل ترخيص العربة أعلاه..
> لكن .. (الحرية) التي نعرفها و(العبودية) التي نعرفها كلها شيء بسيط ليست له خطورة عبودية أخرى
> العبودية التي تقتلنا عمرنا كله دون أن نشعر بوجودها .. دون حتى (الشعور) بوجودها شيء آخر
> وخذ..
> دكتور.. في المحكمة.. كل محكمة القاضي يجلس.. مدبجاً بالبدلة والكرافتة.. والمحامون أمامه أكثر غوصاً في البدل والكرافتات.. وكل شيء.. سليم.. منظم صاح.. عندك.. في شعورك
> لكن.. دكتور .. هل تستطيع أن تتخيل الدهشة عندك والشعور بعدم الارتياح والشعور بأن هناك شيء خاطئ.. إن أنت رأيت القاضي في جلباب.. والمحامين أمامه في الجلابيب؟!
> شيء مثل ما حكيناه عن عبودية القاضي أعلاه للقانون الهندي.. هو ذاته ما يصيب ويسوق حتى مشاعرنا.. شيء يستعبدنا تماماً.. دون أن ننتبه للعبودية هذه
> دكتور..
الشعوب عندنا.. كما تقول في حديثك الثلاثاء الماضي وكما تقول الأحداث.. الشعوب عندنا الجرح المنوسر فيها.. في مشاعرها في أعصابها.. في عقولها في دينها هو ما يجعلها تفعل ما تفعل
> فنحن يا دكتور نقتل نفوسنا لأن
: الملابس عندنا.. ليست مسلمة
> الأغنيات عندنا.. ليست..
> الآداب عندنا ليست..
> هندسة المنازل عندنا ليست..
> أسماء المتاجر في أسواقنا ليست..
> مقاييس الظرف والاستظراف عندنا ليست..
> مقاييس كل شيء عندنا ليست..
> البوني.. نتوقف لأن ست الإنداية تلقي بنا خارج الإنداية بعد أن سمعت حديثنا هذا
> ومن (الطاقة) يا دكتور.. وأنت تعرف الطاقة ..
ندخل رأسنا لنصرخ بضرورة.. ضرورة أن نعود إلى تربيزة الرسم لنعيد رسم كل شيء.. نرسم لنعرف كيف نعالج السودان
ونعيد تفسير كل شيء وفهم كل شيء
> نعيد رسم أعصابنا.. أعصاب فأر التجارب.. ونقلع سيقاننا من (الوتد) وندخل من الأبواب المفتوحة
> ونلطم النظريات الاقتصادية .. عندنا غيرها.. والقوانين الإنجليزية .. عندنا غيرها.. والعادات الاجتماعية.. عندنا غيرها
> و..
> البوني..سنوات ونحن نشهق لنقول هذا
> ونجد أن الناس إن أنت لم تعطهم (الشمة) رفضوا كل ما تقول
> نتوقف لأن صاحبة الإنداية أغلقت الطاقة.