الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

مع الإمام الصادق المهدي في «قطيته»

التقت مجموعة من الأصدقاء، درجوا منذ أمد بعيد على التلاقي والمؤانسة في القضايا الراهنة، والتفاكر في مناقشة بعض المعالجات لهذه القضايا المطروحة بينهم للتداول، وخصصوا لذلك يومين راتبين لهذا الملتقى المحدود، في نادي التنس، وما زاد عن ذلك في النادي العائلي،

بالسيد الصادق الصديق عبد الرحمن محمد أحمد المهدي، رئيس حزب الأمة القومي، بغية التحية والسلام عليه، بعد عودته من منفاه الاختياري في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي، مكث فيها حيناً من السنين. ولما كان السيد الصادق المهدي من المولعين بالتأصيل، فأود ان أؤصل ان مكوثه في مصر نحسبه بالسنين، وليس الأعوام، نحن الذين نفرط في التفاؤل بأن مقدمه الى السودان قد يكون فيه خير كثير للعباد والبلاد، اذا قاد الحركات المسلحة الى طاولة وثيقة الحوار الوطني الذي أسماه في ذاكم اللقاء بحوار قاعة الصداقة، أو مفاوضات خارطة الطريق الأمبيكية. فالسنون التي أمضاها في القاهرة، كثرت أو قلت، بعيداً عن الأهل والولد والبلد، تدل على الشدة والجدب، تصديقاً لقول الله تعالى:(وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا). وتنزيلاً لقوله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ). فاستثنى الأعوام من السنين، ليدلَّ على أن السنة فيها شدة وغلظة وجدب، والعام فيه يسر ورخاء. ولتأكيد ذلك – يا هداك الله - انعم النظر اي فكر وأطل التفكير في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ)، ومعنى «بِالسِّنِين» أي بالجدب سنة بعد سنة، حبس المطر عنهم فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم، كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره، وآخرون أيضاً. أما العام يدل على الرخاء. فلذلك شرحت لبعض صحبي، عندما تحدثوا عن ضعف بنية الإمام الصادق المهدي، فقلت لهم هذا من آثار سنين الابتعاد، ولكن ستشاهدون الإمام اذا أمد الله في عمره وعمركم بعد عام أو يزيد على غير هيئته الحاضرة. وذكرتهم بقول الفيروزابادى في «بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز»:»قيل يعبّر عن الجدب بالسنة، وعمّا فيه رخاء بالعام». هذا من باب الاستطراد المفاهيمي الذي أحسب انه سيجد صدىً طيباً لدى الإمام.
وقد استقبلنا السيد الصادق المهدي كعهدنا به خير استقبال، ووجدنا في معيته الأخت الحبيبة مريم المنصورة نائب رئيس حزب الأمة القومي، والأخ الحبيب محمد زكي الذي تتجسد فيه آيات البراء والولاء للأمام مقاربةً، وليس مقارنةً، والمعنى واضح، كما يقول أستاذي الراحل البروفيسور العلامة عبد الله الطيب – تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات -.
وفِي رأيي الخاص، أن من تتم استضافته في قطية الإمام قد فاز فوزاً عظيماً، لان الإمام بينه وبين هذه القطية شيء من الحميمية، ففيها استقبل كثير ضيوفه، تقديراً لهذا الإرث الشعبي الذي ظل محافظاً عليه. فللقطية طقوسها عند الإمام، إذ انها تتمتع بتهوية جيدة، رغم ارتفاع درجات الحرارة ومن الغريب أيضاً أنها تقيك من البرد في فصل الشتاء، والسبب هو الشكل المخروطي. كيان بهذه الميزات الجميلة حرص الإمام على عدم التخلي عنه. وقد شهدت هذه القطية لقاءات مهمة في خارطة السياسة السودانية.
وبعد ان فرغ صحبي من أحاديث التذكر والمطايبة، والاطمئنان على الصحة والعافية، رأيت ان أرمي بعصاي، فسألته عن مدى اهتمامه بصحة العباد، وعافية البلاد، للوقوف على رؤياه ومرئياته لحل المشكل السوداني، والى أي مدى يكون تجاوبه مع الحل الوفاق الوطني، لا سيما وأنه قد سبق أن أكد ان كثيراً من مخرجات الحوار الوطني يتفق معها في معالجة المشكل الوطني السوداني، ومدى استعداده للحل التوافقي إذا تقدمت الحكومة إليه خطوات، فهل يتقدم إليها مع بقية صحبه من المعارضة خطوات، متناسياً بعض المرارات، ومتنازلاً عن كثير من الفخر الشخصي، باعتبار ان هذه فترة انتقالية، وهي كالمنزلة بين المنزلتين عند أصحاب أبي القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري، صاحب «الكشاف»، اي أنها فترة انتقالية ليست شمولية ولا ديمقراطية، ليتسنى له المشاركة، والتحلل الأكبر من مذهبه في عدم المشاركة إلا عبر صناديق الاقتراع، كل ذلك من أجل الوطن والمواطن. فكان رده انه لن يشارك في نظام شمولي، أياً كانت المرحلة، وأنه وجماعته من المعارضة المسلحة غير معنيين بحوار قاعة الصداقة ومخرجاته، بل هو مع الحل التوافقي السلمي، في إطار مفاوضات خارطة الطريق، بحثاً لحل نهائي بتراضي جميع الأطراف السودانية من أجل الحفاظ على هذا الوطن. وأنه يرى ان تبدي الحكومة استعدادها لقدر من التنازل من السلطات، وصولاً الى كلمة سواء بيننا. وأننا أحرص الناس على حل المشكل السوداني بعيداً عن العنف والاعتساف، فلذلك سنعمل جاهدين على إنجاح مفاوضات خارطة الطريق، برعاية الاتحاد الأفريقي، وآلية الرئيس الجنوب أفريقي السبق ثامبو أمبيكي.
أخلص الى أن، من الضروري الإفادة من وجود السيد الصادق المهدي في دفع مفاوضات خارطة الطريق، وصولاً الى توافق وطني، لا يستثني أحداً، ولا يقصي حزباً أو حركة مسلحة أو غير مسلحة، لمعالجة المشكل السوداني، توافقات وإجماعاً، لإحلال السلام والاستقرار، واستدامة التنمية والازدهار في بلادنا.
ولنستذكر مع الإمام في هذا الصدد، قول الله تعالى: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).