الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

 ترامب.. وغياب مفهوم العدل أساس الحكم

أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتعلق بحظر دخول مواطني 7 سبع دول إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 120 يوماً الذي أصدره يوم الجمعة 27 يناير الماضي، انتقادات واسعة من جانب العديد من منظمات حقوقية وشخصيات أمريكية بارزة.

وفِي إطار الموازنة المتبادلة بين السلطة التنفيذية من ناحية، والسلطة القضائية من ناحية أخرى، حسب نصوص الدستور الأمريكي، تصدت محاكم أمريكية عديدة للقرار التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي ترامب، في هذا الخصوص. وأصدرت محاكم أمريكية أحكاماً قضائيةً تقضي بوقف تنفيذ القرار، ووقف ترحيل أي أشخاص عالقين في المطارات الأمريكية. ورفع عدد من المحامين الأمريكيين دعاوى قضائية ضد ترامب، إضافة الى تقديم الاستشارات القانونية المجانية، لمواطني تلكم الدول السبع في المطارات الأمريكية المختلفة، تضامناً معهم، واحتجاجاً على هذا القرار الرئاسي التنفيذي. ومن بين المحاكم التي أصدرت قرارات بوقف تنفيذ قرار ترامب، محكمة بوسطن الفيدرالية، ومحكمة ولاية فرجينيا الفيدرالية، ومحكمة سياتل الفيدرالية، ومحكمة بروكلين الفيدرالية بولاية نيويورك.
وفِي تطور ملحوظ لهذا القرار التنفيذي، رفضت محكمة الاستئناف الاتحادية في الولايات المتحدة الأمريكية الطعن الذي تقدمت به إدارة ترامب ضد قرار قاضٍ اتحادي بوقف مؤقت لقرار حظر السفر.
وجدت إدارة ترامب الجديدة نفسها في خضم صراع، مع المؤسسات العدلية والقانونية، وشرائح مجتمعية واسعة، لإنقاذ قرار حظر السفر، إذ يتعارض رأيها في الأمر التنفيذي للرئيس ترامب مع قرار أصدره قاضٍ اتحادي آخر في بوسطن بوقف نفس الأمر الرئاسي. وذهب بعض الأمريكيين إلى أن قرار حظر السفر ينطوي على تمييز ديني، ويشكل انتهاكاً للحق في حرية الدين، لأنه صدر بشأن عدد محدد من دول إسلامية، وفقاً لشبكة أيه بي سي نيوز الإخبارية الأمريكية. وكانت إدارة الرئيس ترامب قد رفعت دعوى طعن في قرار قاضي اتحادي أمريكي، بوقف مؤقت لتطبيق قرار الرئيس التنفيذي بحظر سفر مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة والمهاجرين إلى أمريكا، غير أن محكمة الاستئناف رفضت الطلب، ما يعني أنه سيظل بمقدور المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في دول أخرى، بسبب الحظر، العودة إلى أمريكا. 
وفي سابقة خطيرة متعلقة بمبدأ فصل السلطات الثلاث، وفقاً للدستور الأمريكي، وجه الرئيس الأمريكي ترامب اتهاماً للمحاكم الفيدرالية في بلاده بتعريض أمن الولايات المتحدة للخطر بعد رفض محكمة فيدرالية، طلباً عاجلاً تقدمت به الإدارة الأمريكية لإعادة العمل بمرسوم رئاسي تنفيذي أصدره الأسبوع الماضي لمنع مواطني 7 دول إسلامية من دخول البلاد. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية، مهما اتفقنا أو اختلفنا حولها، بلد المؤسسات، فلذلك فور صدور قرار القاضي سمح لمواطني هذه الدول مجدداً بدخول الولايات المتحدة الأمريكية. فعليه أعلنت السفارة الأمريكية لدى السودان أول من أمس (الأحد)، السماح للسودانيين الحاصلين على تأشيرات دخول صالحة بالسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك تنفيذًا لقرار المحكمة الفيدرالية الأمريكية.
وعلى الرغم من إذعان إدارة ترامب لقرار محكمة الاستئناف الأمريكية، ولكن في مكابرة منه، قال في تغريدة على تويتر «لا يمكنني أن أصدق كيف يمكن لقاض أن يعرض بلدنا لمثل هذا الخطر. إذا حصل شيء فاللوم يقع عليه وعلى النظام القضائي. الناس يتدفقون. هذا مؤسف». وأضاف في تغريدة ثانية «لقد أمرت وزارة الأمن الداخلي بإخضاع الذين يدخلون إلى بلدنا لتفتيش دقيق للغاية. المحاكم تجعل العمل صعباً للغاية!». والملحظ المهم، أن ترامب أطلق العنان لتغريداته بعد انقطاعه، على غير عادته، طيلة نهار إصدار القاضي روبرت لحكمه تقريباً،عن وسيلة التواصل المفضلة لديه. وذهب في هجومه على القاضي روبرت مذهباً بعيداً، حيث كتب في إحدى تغريداته، معلقاً على قرار القاضي روبرت: «رأي هذا الذي يسمى قاضياً، والذي يحرم بلدنا من تطبيق القانون، أمر سخيف وسيتم إلغاؤه».
 وربما سيدفع ترامب ثمن هذا التهجم على القضاء الأمريكي، والدخول في صراع ومنازعة مع السلطة القضائية الأمريكية.
أخلص إلى أن، مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، مضمنة في الدستور الأمريكي، بشكل صريح وفي أكثر من مادة، مشيراً إلى أنّ سلطة الدولة مقسمة إلى ثلاث أفرع أساسية، وهي السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، حيث إنّ واضعي الدستور الأمريكي كانوا ينحازون إلى لزوم وجود سلطة سياسية منتخبة من قبل أفراد منتخبين تقوم بصياغة القوانين، واتخاذ القرارات ووضع برامج المصالح، لذلك فإن الكونغرس هو الموصوف بأنه صانع السياسة الوطنية الأولى. ولم يغفل واضعو الدستور الأمريكي، تضمين مبدأ التوازن والمراقبة المتبادلة، وتوقّعوا أن إحدى السلطات الثلاث قد تتوسع في اختصاصاتها وسيادتها الحقيقية، والمخوّلة لها من قبل الدستور على حساب السلطات الأخرى، لذلك قد يحدث تنازع وتنافس على السلطات، وهذا الافتراض هو منطقي يتفق مع طموح الإنسان وميوله في حب التسلط والسيطرة، لذلك قام واضعوا الدستور من وضع آليات قانونية تحسم النزاع الناشب بين هذه السلطات الثلاث.
وفِي رأيي الخاص، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد غيَّب مفهوم العدل أساس الحكم، في اتخاذه لذاكم القرار الرئاسي التنفيذي، مما أثار غضب واستياء الكثيرين من الأمريكيين قبل غيرهم، لأن أمريكا بلد أسسه المهاجرون، فهي بلد الانفتاح والإثنيات والأقليات، فلا يستقيم عقلاً، أن يأتي رئيس أمريكي، هو في الأصل من المهاجرين، يسن قراراً تنفيذياً، لمنع المهاجرين من دخولها، ويسد الباب دون سبع دول إسلامية، بحجية مكافحة الإرهاب، وكأن الإرهاب موسوم بهذه الدول السبع. فالعدل أساس الحكم، وضوابطه وقواعده، جملة قوانين تتحقق من خلالها العدالة. والعدالة تعني جعل الناس كلهم سواسية أمام القانون، والظلم أساس الهلاك. أمريكا تعي هذه المعاني، المنضبطة بالقانون والنظام. فلا غرو عندما سئل الرئيس الأمريكي السابق باراك حسين اوباما، عن تهديدات ترامب للمسلمين والمهاجرين، فأجاب دون تردد أو لجاجة أن النظام سيضبطه. وهكذا القضاء الأمريكي عمل على ضبط رئيسه من الاعتساف في استخدام سلطاته، والحد من إنفاذ صلاحياته.