الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

ترشيد الخطاب الإسلامي لمعالجة الانحرافات الفكرية

من الضروري الإشارة هنا في هذه العجالة إلى بسط القول تأصيلاً، في مفهوم الانحراف الفكري، لغةً واصطلاحاً. فالانحراف في اللغة من (حَرَف عَنْهُ حَرْفاً أي مالَ وعَدَل، وحَرَف الشيءَ عن وجهه حَرْفاً، صرَفَه وغيَّره، وحَرَّفَ الكلام، غيّره وصرفه عن معانيه)، أما اصطلاحاً يعني الانحراف (انتهاكاً للتوقعات والمعايير الاجتماعية،

والفعل المنحرف ليس أكثر من أنه حالة من التصرفات السيئة. وهو ضد الاستقامة التي أمر الله بها ورسوله، وهو الميل عن طاعة الله ورسوله، والوقوع في المحرمات في ما يتعلق بالعبادات، والمعاملات، والأخلاق). وَمِمَّا لا ريب فيه، أن الانحراف الفكري من مرادفات التطرّف والغُلو الذي يترتب عليه العنف. والتطرف والغُلو، بالضرورة يكون مجاوزة حد الاعتدال. فالتقصير في التكاليف الشرعية، والتفريط فيها تطرف. كما أن الغلو والتشديد فيها تطرف أيضاً. وأحسب أن هنالك جملة أسباب، وعوامل مسببة للاحتراف الفكري، ومن ثم حدوث الغلو والتطرف عند البعض. فاللغوي والتطرف الديني، يعني الخروج عن الاعتدال في فهم الأمور الدينية والاجتماعية وتطبيقها، مما يشكل خطورة على سلوك الفرد وتصرفاته، تجاه نفسه ومجتمعه. وينشأ الانحراف الفكري أحياناً بسبب ضعف دور المؤسسات الاجتماعية، ومدى تأثيرها على الفرد في تصحيح مساره الفكري.
كانت قضية معالجة الانحرافات الفكرية وسط الشباب المسلم، وانضمام بعضهم ــ ذكراناً وإناثاً ــ إلى منظومات وجماعات إسلامية متطرفة، محور محاضرة بعنوان (معالجة الانحرافات الفكرية، تعزيزاً لمعاني الوسطية في ترشيد الخطاب الإسلامي) قدمها البريطانيان، الدكتور صلاح الأنصاري والأستاذة سعيدة رواس، وذلك من خلال فعالية نظمتها جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا بالتعاون مع منتدى النهضة والتواصل الحضاري أمس (الثلاثاء) في قاعة الشيخ محمد كبير بمباني الجامعة بالخرطوم. وقد استهلت الفعالية أعمالها، بكلمة ترحيبية من الأخ الدكتور حافظ محمد علي حميدة نائب رئيس الجامعة، معبراً عن شكره وتقديره لمنتدى النهضة والتواصل الحضاري، لاستقدام المحاضرين البريطانيين من لندن، لتقديم تجاربهما في كيفية معالجة الانحرافات الفكرية وسط الشباب المسلم البريطاني، موضحاً أن الإسلام دين سلام واعتدال. وأكد أن معظم ضحايا الإرهاب هم المسلمون، مشيراً إلى أن الأفعال الإرهابية التي يقوم بها قلة من المسلمين المتطرفين، تعطي أعداء الإسلام ذريعة في مهاجمة الإسلام والمسلمين، ووصفهم بالإرهابيين. ودعا إلى ضرورة معالجة الانحرافات الفكرية بالتوعية وتقديم الدين الصحيح لهؤلاء الشباب المسلم.
أما الدكتور صلاح الأنصاري الأستاذ في جامعة لندن، فقد عدد الأسباب التي تؤدي إلى التطرّف والعنف، وإشكالية تعريف معاني التطرّف، تعريفاً جامعاً. فالتطرف العنيف، والمغالاة في العنف، أدت إلى نشر فكر يسوده التعصب والعنف، وهو في حقيقة أمره بعيد عن روح الدين الإسلامي، وإن إدعى أن هذا العنف من أجل حماية الدين الإسلامي الصحيح، حسب فهم هؤلاء المتطرفين. والتطرف الديني يقوم على فهم معين للنصوص الدينية، كما هو الحال مع (القاعدة) و(داعس) وغيرهما. وتطرق الدكتور الأنصاري إلى إشكالية التطرّف الديني الذي يكثر عند المسلمين، مقارنةً بالأديان الأخرى، مؤكداً أن للتطرف الديني عوامل جذب (التجارب الشخصية)، وعوامل دفع (البيئة المحيطة)، إضافة إلى وقوع الظلم أو توهم وقوعه. وقال إن التطرّف الديني يبدأ بخطوات بسيطة، ثم يتدرج وصولاً إلى حاكمية الله، في خلط بين للجماعات المتطرفة للفهم الخاص بالفهم المقدس. والملحظ المهم، في الكسب الشعبي لـ (داعش) وغيرها من هذه الجماعات المتطرفة الحديثة، استخدامها مواقع التواصل الاجتماعي في الانترنت، كالفيسبوك والتويتر والواتساب وغيرها. وهناك مراحل متدرجة في الحكم على المجتمع المسلم الذي لا يتفق معهم في أفكارهم المشتطة، ومعتقداتهم المنحرفة، بدءاً بوصف ذاكم المجتمع، بالمجتمع الجاهلي، والدعوة إلى حاكمية الله، وتكوين العصبة المؤمنة، ثم الدعوة إلى الجهاد، إلى تمكين الخلافة الإسلامية عن طريق القوة والعنف، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وهي في فهم هؤلاء المتطرفين تعني تطبيق الحدود، مع غياب تام لتحقيق العدالة ومقاصد الشريعة الإسلامية.
أما الأستاذة سعيدة رواس الناشطة في منظومات حماية الأسرة من العنف، فقد تحدثت عن تجربتها في حزب التحرير الإسلامي الذي أمضت فيه ست سنوات، ثم تخلت عنه بعد دراسة معمقة للإسلام، وحضور ملتقيات فكرية عن الإسلام داخل بريطانيا وخارجها، مما ساعدها في التفكير النقدي لأطروحات حزب التحرير الإسلامي. وانتهى الأمر بها إلى أن تفسيرهم للإسلام فيه قدر من التطرّف والغُلو، وذلك يتناقض مع توجهاتها الفكرية ونظرتها وفهمها للإسلام. وأكدت أنها قطعت علاقاتها مع أي شخص منهم، بعد إدراكها إلى أنها كانت معهم في عالم افتراضي غير واقعي.
أخلص إلى أن الجهل بالدِّين وانعدام الوعي بصحيح التدين، من العوامل الرئيسة التي تؤدي إلى ظهور الانحرافات الفكرية بين الشباب المسلم، وسعيهم إلى تحقيق ما يظنون أنه من معلوم الدين بالضرورة في خدمة الإسلام بأساليب التطرّف والعنف. والانتقائية في القراءات وإثارة الشبهات التي يعتمدها كثير من المشككين في اختيار النصوص والدلائل التي تلائم توجهاتهم وطريقة تفكيرهم، وكذلك التركيز على المتشابهات في الأدلة تعتبر من العوامل المؤدية للانحراف الفكري. ومن عوامل الانحراف الفكري أيضاً، الإعجاب بما عند غير المسلمين إلى درجة افتقاد الثقة بالموروث الحضاري الإسلامي، مما أدى إلى زعزعة قناعات أفرادها بعقيدتهم ودينهم، تصديقاً لقول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).
من هنا ندعو الجامعات ومراكز الشباب، إلى أن تحذو حذو جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا في تنظيم مثل هذه المحاضرات والملتقيات الفكرية، لمواجهة مخاطر التطرّف والغُلو لدى بعض الشباب المسلم. وقد أنشأت الجامعة منتدى (في رحاب الفكر)، لخلق بيئة توعوية تستهدف هؤلاء الشباب، لتفادي أية انحرافات فكرية في أوساطهم.