الأحد، 30 أبريل 2017

board

طُرفة إمامية في لقاء رئاسي عابر

حضرتُ وعدد من أصحابي الخُلص، بدعوة كريمة من الأخ الصديق أمين بشير النفيدي رجل الأعمال المعروف، مراسم عقد قران ابنة الأخ معتصم داؤود عبد اللطيف إلى ابن الأخ صلاح بشير النفيدي أول من أمس (الجمعة) في مسجد الروضة في الخرطوم جنوب. وقد شهدت حفل عقد القران جمهرة من الناس،

منهم أهل وأصدقاء ومعارف الأسرتين الكريمتين. وكان في تقدمة هذا الحضور الكثيف الأخ الرئيس عمر البشير والسيد الصادق الصديق المهدي رئيس حزب الأمة القومي.
وقد نصحتُ أصحابي الجنب بالجلوس بمقربةٍ من منضدة مراسم عقد النكاح، وليكونوا شهود عيانٍ لأول لقاء بين الرئيس والإمام، بعد عودة الأخير من الغيبوبة الإمامية الصغرى، وبالفعل سمع بعضهم نصحي، والبعض الآخر خشي الزحام، فانتأى إلى ركنٍ قصيٍ، ينتظروا منا الرواية والحكاية. ولم نلاججهم في الأمر، لعلمنا أن الصاحب الجنب، المرء مطالب بالإحسان إليه، تصديقاً لقول الله تعالى: «وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا» . وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالصاحب، الرفيق في السفر، وقيل: رفيقك الذي يرافقك. وقال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي - يرحمه الله :»وقد تتناول الآية الجميع بالعموم». وفي حق الصاحب سواء أكان صاحباً في السفر أو الحضر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه» . رواه أحمد والترمذي، وصححه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وقواه شعيب الأرناؤوط.   وأما إن كان المراد به الرفيق فإن له حقوقاً كثيرةً، منها الواجب ومنها المستحب، ومنها ما يشترك فيها مع عموم المسلمين، ومنها ما يختص هو بها بحكم المصاحبة كحفظ سره، والقيام بحاجته وتحمل ظلمه، وقبول عذره وستر عورته وترك معاتبته، وعدم تتبع هفواته، والقيام بنصحه، وغير ذلك من الحقوق. وقد عقد الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين» باباً في حقوق الأخوة والصحبة وذكر فيه جملة من الحقوق يطول ذكرها. ولذلك اختار سيدنا يُوسف عليه السلام مفردة الصاحب لمخاطبة صاحبيه في السجن للدعوة إلى الله، حيث قال: «يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» . ولما أراد الفُتيا لهما في حُلمهما، قال لهما: « يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ».
حرص السيد الصادق المهدي أن يجلس حيث انتهى، مفترشاً الأرض، ولكن بإلحاحٍ من الكثيرين، جلس في كرسيٍ، تنازل عنه أحدهم له، ثم تقدم للجلوس في منضدة مراسم عقد القران، حيث كان جالساً الأخ الرئيس عمر البشير، فما كان منه إلا أن مد يده مصافحاً الأخ الرئيس عمر البشير، فرد الثاني التحية بأحسن منها، تنزيلاً لقول الله تعالى: «وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا» . فهكذا هتف البعض همساً، هذا هو السودان، في إشارةٍ جليةٍ، عن التسامح والتوادد، على الرغم من الخُلف في المواقف والرؤى.
ولم يكتفِ الإمام الصادق المهدي بالمصافحة والابتسامة، بل زاد على ذلك، في حضور بديهة، ولطيف طُرفة، إذ طلبت منه أسرتا العروسين، أن يتولى أمر إلقاء خطبة النكاح، وهي من مستحبات عقد النكاح. إذ يستحب للعاقد أن يخطب بين يدي عقد النكاح بخطبة الحاجة، ثم يعقد بين الزوجين برضاهما بالإيجاب والقبول، ثم يشهد على ذلك رجلين. فاعتذر السيد الصادق المهدي عن ذلك في بادئ الأمر، ورشح لهم الشيخ الإدريسي، ولكن الإدريسي في لطفٍ، أعاد الأمر إلى السيد الصادق المهدي، فقبل المهدي، وتفكه في الأمر، مخاطباً الجمع، بأنه منتخب، فضحك من ضحك وابتسم من ابتسم من هذه الطُرفة السياسية. ولكن المهدي كان سياسياً حصيفاً، عندما أنهى مراسم إجراءات عقد القران، ناول المايكرفون إلى الأخ الرئيس عمر البشير ليرفع الدعاء، مُختتماً مراسم عقد القران. واستجاب الأخ الرئيس عمر البشير. فما كان من أحد أصحابي الخُلص إلا أن علَّق على بادرة الإمام هذه ، بأنها إشارة إلى إمكانية الشراكة، إذا صدقت النيات، وخلصت الإرادات، لمواجهة التحديات، من أجل الوطن والمواطن.
أخلص إلى أن، الطُرفة بمعنى العجيبة، وعند البلغاء هو ما يكون خارقاً للعادة أو الأخلاق المعتادة على نحو يتضمن الحسن واللطافة، ثم يلزم ايراد لفظ طرفة أو عجب أو ما بمعناهما، وذلك لفظاً أو تقديراً. وقَالَ خَالِدُ بنُ صَفُوانَ خيرُ الكَلامِ ما طَرْفَتْ مَعَانِيه، وشَرْفَتْ مَبَانِيه، والتَذَّه آذانُ سَامِعيه. وقال ابن منظور في «لسان العرب»: وشيء طَريفٌ: طَيِّب غريب يكون. واسْتَطرَف الشيءَ أَي عَدَّه طَريفاً. واسْتَطْرَفْت الشيءَ: استحدثته.
ومن الضروري الإشارة هنا، إلى أن قراءة مشهد ذاكم اللقاء الاجتماعي، مأمول منه أن يُفضي إلى لقاءات سياسية، في سبيل الوصول إلى تكامل بين وثيقة الحوار الوطني، والمرتقب من مُخرجات مفاوضات خارطة الطريق، في سبيل أن تُنهي خارطة الطريق العدائيات، وصولاً إلى تحقيق وفاقٍ وطنيٍ، يحقق السلام الدائم، والاستقرار المستدام، لينهض السودان وبنيه.