الأحد، 30 أبريل 2017

board

العقيدة العسكرية المشتركة بين الجيش السوداني والجيش الكويتي.. "أرضاً ظرف" 

لم يكن حفل الكلية الحربية السودانية أول من أمس (الأحد)، بتخريج عدد من طلبتها الحربيين، احتفالاً عادياً بالنسبة للكويتيين، إذ أن له طعماً خاصاً، ومذاقاً متفرداً، في خارطة العلائق الكويتية السودانية في مجالات التعاون العسكري، إعداداً وتدريباً، وعقيدةً عسكريةً،

تمثل ذلك في ذاكم الحفل، بتخريج 46 طالباً حربياً كويتياً، بحضور الأخ الرئيس عمر البشير القائد الأعلى للقوات المسلحة السودانية، والفريق ركن محمد خالد الخضر رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الكويتي. كما كان حضوراً الأخ الفريق أول ركن عوض ابنعوف وزير الدفاع والأخ الفريق أول مهندس عماد الدين مصطفى عدوي رئيس هيئة الأركان المشتركة، إضافة إلى عدد من كبار قادة الجيش السوداني الذين يحرصون أيما حرص على أن يكونوا شهود عيان، في مثل هذه الاحتفالات، تذكراً لأيام مضت عاشوها، وإخلاء ساروا على الدرب معهم، تضحيةً وفداءً، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً، ووفاء لمصنع الرجال، الكلية الحربية، التي رسخت في أذهانهم، وتربعت Úáì سويداء أفئدتهم.
وأحسب أن حضور 200 من أسر الطلاب الحربيين الكويتيين، أضفى طابعاً كويتياً خاصاً على مجمل مخرجات حفل التخريج أول من أمس، وزاده ألقاً وتفرداً كويتياً، إنعام الأخ الرئيس عمر البشير بوسام النيلين من الطبقة الأولى للفريق الركن الخضر، تقديراً لإسهامه في تطوير العلائق العسكرية بين الجيشين الكويتي والسوداني، وتمتين أواصر العلاقات بين البلدين الشقيقين.
في رأيي الخاص، أنه من الضروري الإشارة هنا، إلى أن الكويت عندما نالت استقلالها في عام 1961، حرصت على أن يسهم بقدر فاعل في تأسيس جيشها، الجيش السوداني، وبالفعل لم يبخل قادة البلاد آنذاك في الإسهام الفاعل في تأسيس الجيش الكويتي، رغم الحرب الأهلية التي كان يخوضها جيشنا في جنوب السودان. فلم يتوانَ الجيش السوداني في تدريب الجيش الكويتي على العقيدة العسكرية للجيش السوداني، وهي عقيدة قتالية تقوم على أساس الدفاع عن الوطن، والحفاظ على سيادته، ووحدته الوطنية، بالإضافة إلى قيامه بمهام مدنية تتمثل في تقديم المساعدات أثناء الكوارث الطبيعية، وحفظ الأمن في حالة الأوضاع الأمنية المضطربة. ويعتبر الجيش السوداني جيشاً قوياً، وقد لا تعود قوته إلى تفوق تكنولوجي، بل إلى عقيدته القتالية الفريدة، وخبرته النادرة. فقد ظل الجيش في وضعيه قتالية منذ الحرب العالمية الثانية وإلى يوم الناس هذا. وعلى الرغم من أن الحرب أمر كريهة وطعان، إلا أن استدامتها تنشئ خبرة تراكمية عالية جداً. وهذا ما لم يتوفر لجيوش أخرى هي أعتى تسليحاً من السودان. ومن أبرز مقولات الثقافة العسكرية في السودان هي مقولة: العسكرية تصرف، والمعنى أن العسكري عليه التصرف، وإيجاد الحلول الناجعة مهما كانت الظروف والملابسات، وتحمل المسؤولية. ومن المقولات العسكرية أيضاً، أن أهم الأشياء في العسكرية، الضبط والربط. وهذا ما نلحظه جلياً في قواتنا المسلحة التي التزمت بمعايير الضبط والربط في عملها العسكري الاحترافي، باعتبار ذلك جزء أصيل في عقيدتها العسكرية. 
لا أظن – وليس كل الظن إثماً – أن الكويت شعباً وحكومةً، تنسى للسودان موقفه الأصيل في الدفاع عنها، عندما حشد الرئيس العراقي الراحل عبدالكريم قاسم قواته في أوائل ستينيات القرن الماضي، وهدد باجتياح دولة الكويت، فأرسلت الجامعة العربية قوة عربية مشتركة ضمت كتيبة من القوات المسلحة السودانية للمساعدة في صد الغزو إذا وقع، وعندما انتهت مهمتهم واصطفوا في المطار ليستقلوا طائرتهم عائدين، تقدم أحد شيوخ أسرة الصباح، وأراد أن يكافأ الجنود والضباط السودانيين، بتسليم ظرف ضخم محشو بالمال والساعات الفاخرة، فانتظر قائد القوة اللواء أ.ح صديق الزيبق، في أدب ولطف، حتى انتهى سمو الأمير من توزيع الظروف. وعندها صاح بأعلى صوته، موجهاً النداء لضباطه وجنوده: "طابور صفا.. انتباااااه"، "أرضاً ظرف" أي ضع الظرف على الأرض، ونفذ جميعهم الأمر، ووضعوا الظروف على الأرض، بدون اي تذمر."معتددددددل مارش"، وتحركوا وركبوا طائرتهم تاركين الظروف والساعات على الأرض، ووقف كل من حضر هذا الموقف العجيب مشدوهاً!
كانت الرسالة التي اراد قائد القوة السودانية أن ينقلها للأشقاء الكويتيين أن "لا شكر أو مال على واجب، نحن لسنا مرتزقة". ألا رحم الله اللواء الزيبق وضباطه وجنوده – الأحياء منهم والأموات - وبسبب ذلك الموقف العظيم، ولما عرف به الجندي السوداني من بسالة واقتدار، استعانت دولة الكويت فيما بعد بعدد من الضباط السودانيين لإنشاء أول كلية حربية بالدولة الكويتية، وكان أمير الكويت يستقبلهم بنفسه أثناء فترة عملهم إذا دعت الحاجة، بدون أي حواجز أو قيود في أي وقت من الأوقات. فلا غرو إن حرصت الكويت على تدريب طلابها الحربيين في مصنع الرجال السوداني (الكلية الحربية)، ذات التاريخ العسكري الناصع.
أخلص إلى أن، الأخ الصديق الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي رئيس هيئة الأركان المشتركة، أشار إلى أن زيارة رئيس الأركان العامة للجيش الكويتي للبلاد تأتي في إطار تطور العلاقات المشتركة بين القوات المسلحة السودانية والكويتية، فضلاً عن أنها تأتي على شرف تخريج كوكبة من الضباط الكويتيين من الكلية الحربية السودانية، كما أنها فرصة للوقوف على تجربة القوات المسلحة السودانية والتعاون في مجال التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات ورفع القدرات والتدريب المشترك. ومن جانبه أعرب الفريق ركن محمد خالد الخضر رئيس الأركان العامة للجيش الكويتي، عن سعادته بوجوده في السودان. وقال سعدت بهذه الدعوة، مؤكداً أزلية العلاقات بين القوات المسلحة الكويتية والسودانية، مشيراً إلى أن تأسيس القوات المسلحة الكويتية كان بأيد سودانية. وأضاف " لذلك نحن نكن للسودان قيادةً وضباطاً وشعباً كل تقدير واحترام". 
وقد حرص الأخ عدوي على تنظيم لقاء محصور بين عدد من قادة الوسائط الصحافية والإعلامية، إلى جانب بعض قيادات الجيش المتقاعدة مع الفريق ركن الخضر والوفد المرافق له، في جلسة مؤانسة، تخللتها ذكريات وتذكر لبعض قيادات الجيش السوداني التي عملت في الكويت. فكانت ليلة معطرة بالذكرى والرؤى لهذه العلاقة الأزلية بين الجيشين السوداني والكويتي. ولما كان الأخ عدوي يعلم علم اليقين، أنه من الضروري بناء جسور من العلائق بين القوات المسلحة والوسائط الصحافية والإعلامية، دعا بعضهم إلى جلسة المؤانسة تلكم، في سبيل التعاون والتنسيق في المشتركات من المهام والمسؤوليات الوطنية.