الخميس، 27 أبريل 2017

board

النائب العام الجديد.. ومحاكمة النيات

في تطور ملحوظ، لإنفاذ بعض مخرجات الحوار الوطني، سارع الأخ الرئيس عمر البشير، يوم الجمعة الماضي، إلى إصدار مرسوم جمهوري، عين بموجبه عمر أحمد محمد أحمد عبد السلام، نائباً عاماً، استكمالاً لتوصيات الحوار الوطني ومقرراته، الداعية إلى فصل النيابة العامة عن وزارة العدل.

وكان المجلس الوطني قد أجاز في نهاية شهر ديسمبر الماضي تعديلات دستورية، إعداداً واستعداداً لمرحلة حكومة الوفاق الوطني المرتقبة. فكان فصل منصب النائب العام عن وزارة العدل في صدارة تلكم التعديلات الدستورية، كإحدى مخرجات الحوار الوطني وتوصياته. وإنفاذاً لهذه التوصية، لم يتوان الأخ الرئيس عمر البشير في إصدار مرسوم جمهوري، بتكليف الأخ الدكتور عوض الحسن النور وزير العدل بمهام النائب العام، فور إجازة المجلس الوطني هذا التعديل الدستوري، ومن ثم وضعه أمامه للتصديق عليه ليصبح قانوناً نافذاً.
وفِي مشهد غير مألوف، في السياسة السودانية، ما أن أعلن الأخ الرئيس عمر البشير تعيين عمر أحمد محمد، نائباً عاماً يوم الجمعة الماضي، حتى انهالت عليه كثير انتقادات، فيها قدر من الاعتساف، وتعرض على محاكمة النيات، من الوسائط الصحفية والإعلامية التقليدية والحديثة معاً، بعضها استند إلى اعتبار ما كان، دون دليل قاطع أو برهان ساطع، من إشارة غير مركوزة على حقائق دامغة، بل كلام مرسل عن نفوذ سلطوي، واستعلاء وظيفي، في عهد وزارة الأخ محمد بشارة دوسة وزير العدل السابق، دون تبيان جلي لقوة هذا النفوذ السلطوي، والاستعلاء الوظيفي. فلم نلحظ في موجة هذه الانتقادات المبكرة، بيان استغلال لذاكم النفوذ السلطوي، ولا إضرار ذلكم الاستعلاء الوظيفي، بل بعضهم في أسلوب أقرب إلى توكيد المدح بما يشبه الذم، كما يقول أهل البلاغة، من أنه نفذ في طاعة وظيفية، النقل من رئاسة وزارة العدل إلى استشارة المجلس التشريعي في ولاية الخرطوم، بحجية أن الأخ الدكتور عوض الحسن النور وزير العدل، عند تسنمه لمنصبه الجديد، عمل على ضرب مراكز القوى الدوسية، بنقل تلكم القيادات في الوزارة، وتفريقهم أيدي سبأ. وهذا لعمري ظلم وإجحاف في حق الأخ الدكتور عوض الحسن النور وزير العدل، أن تختزل محاولاته الإصلاحية في نقل اعتسافي لقيادات وزارته، ليس في إطار الإصلاح والتقويم، وتقوية الجوانب القانونية في مؤسسات خارج الوزارة. فأعلم – يا هداك الله – أن عوضاً، هذا ليس سلوكه وخلقه، ولا ذاك همه وديدنه. وَمِمَّا يستدعي الألم أن بعض هؤلاء من الرسلاء في الوسائط الصحفية والإعلامية، التقليدية والحديثة، كانوا معاول هدم للحركة الإصلاحية التي عقد العزم الأخ عوض على إنفاذها في الوزارة، والعمل مع الآخرين لتحقيق الإصلاح القانوني في السودان، ضمن المساعي الجادة للأخ الفريق أول ركن بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية للعمل على إصلاح الدولة، إنساناً ومؤسسات.
والغريب في أمر هذه الهجمة الاعتسافية، على النائب الجديد، أنها أجمعت على أنه بدأ السلم الوظيفي من مدرجه الأدنى، صعوداً متدرجاً، ولا قفزاً فجائياً، أي أنه لم يقفز بالزانة، على حد تعبير الكاريكتيرست الراحل عز الدين عثمان. ولمعرفة حيثيات الاختيار الرئاسي له في هذا المنصب المهم، أوردت وكالة السودان للأنباء (سونا)، بعضاً من سيرته الأكاديمية والمهنية، من ذلك أنه التحق بالعمل في وزارة العدل في عام 1988، وتدرج من وكيل نيابة إلى وكيل النيابة الأعلى ورئيس نيابة، ثم رئيس إدارة مكافحة الثراء الحرام والمشبوه، ثم المستشار العام للشؤون المالية والإدارية في وزارة العدل ثم المدعي العام لجمهورية السودان خلال الفترة 2010 ـ 2015. وأنه حصل على البكالريوس في جامعة القاهرة فرع الخرطوم عام1985، ودبلوم القانون العام في جامعة الخرطوم، وماجستير الجزء الأول في جامعة الخرطوم أيضاً. لكن بعضهم لم يرق له هذا التسلسل الوظيفي الطبيعي، فأراد أن يلكن الأمر، بالقول إن اختياره لهذا المنصب المهم، كأول نائب عام، بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، جاءه لصلة قرابة تجمعه مع الأخ الرئيس عمر البشير، ولم يحدد أحد مدى هذه القرابة وتأثيرها على القرار الرئاسي. فقد تناسى غير المغرضين منهم، أن القرابة إذا توافرت فيها الاشتراطات والشرائط، لا تحجب حقاً، ولا تمنع استحقاقاً. ومن المفترض أن نثق أنه لا يكتسب أحد حق غيره، ولا تؤخذ نفس بذنب غيرها. تصديقاً لقول الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، وفِي ذلك قال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري الخزرجيى الأندلسي القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: (أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها.). وأصل الوزر الثقل، ومنه قوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك). وهو هنا الذنب، كما قال تعالى: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ عَلَى ظُهُورهمْ). وقال الأخفش: يقال وزر يوزر , ووزر يزر , ووزر يوزر وزراً. ويجوز إزراً، كما يقال: إسادة. والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم، ذكره ابن عباس. وقيل : إنها نزلت رداً على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه.
أخلص إلى أن، بعض الذين هاجموه، نسبوا صداقتهم إليه في قديم الزمان، والبعض الآخر ذهب إلى معرفة لصيقة به. أما وإن بدت عجالتي هذه دفاعاً عنه، ولكنها في حقيقة كنهها، نقداً ليناً، لأولئك الرسلاء، ولكني أجزم أن مررت بعمر أحمد محمد، لما عرفته، فليس بيني وبينه، ود موصول، ولا معرفة سابقة، ربما لمكوثي سنين عدداً في بريطانيا، فلم يتح لي معرفته، وغيره كثر. وقد ساءني أن يستغل بعض هؤلاء الرسلاء تلكم الوسائط الصحفية والإعلامية، التقليدية والحديثة، في انتقاد الرجل بقدر من الاعتساف، مما يجعل المتلقي لتلكم الانتقادات مضطرباً، ناهيك عن مرؤوسيه الذين سيستقبلونه، وفِي أنفسهم شيء من حتى. فلنعط الأخ عمر أحمد محمد متسعاً من الوقت، ليميز بين الصواب والخطأ، في إنفاذ مهامه ومسؤولياته الجديدة. ودعونا من محاكمات لا تقوم إلا على النيات، بأنه سيفعل هذا، ويترك ذاك. وإذا كان ذلك من بعض الرسلاء كذلك، فهذا ظلم لا يقبله قانون، والمحاسبة يجب أن تكون على الفعل بشهوده، لا بنياته.
 ولنستذكر مع الأخ عمر أحمد محمد، وأولئك الرسلاء في هذا الصدد، قول الله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).