الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

أوباما يودع الرئاسة الأميركية برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان (2) 

أحسب أنه من الضروري، توضيح بعض الجوانب المهمة عن المسارات الخمسة التي كانت بمثابة الركائز الأساسية في اتخاذ الرئيس الأميركي باراك حسين اوباما قراره بشأن رفع عدد من العقوبات الاقتصادية عن السودان، باعتبار ان إنجازها، كليا أو جزئيا، بمثابة إعادة بعض من الثقة المفقودة من الحكومة الأميركية تجاه نظيرتها السودانية. وكان المفاوض الأميركي يريد الوصول الى تفاهمات مهمة في هذا الخصوص، ومن ثم حدوث اختراقات عملية وملموسة لالتزامات الحكومة السودانية في المسارات الخمسة التي لخصها الأخ البروفيسور إبراهيم غندور وزير الخارجية ورئيس اللجنة المكلفة بالحوار مع الولايات المتحدة الأميركية في مؤتمره الصحفي يوم السبت الماضي، مشيراً الى أن لقاء عقده مع جون كيري وزير الخارجية الأميركي في أكتوبر 2015، تم من خلاله الاتفاق على مسارات خمسة مهمة في التفاوض السوداني – الأميركي، لمعالجة قضية العقوبات الأميركية المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأميركية تجاه السودان، منذ تسعينات القرن الماضي. 
فكان المسار الأول: عدم دعم جيش الرب، لأن ذلك يشكل اضطرابا في منطقة شرق ووسط إفريقيا، واستقرار تلكم المنطقة من أولويات السياسة الأميركية الخارجية في افريقيا. والمعروف أن جيش الرب هو حركة تمرد مسيحية مسلحة في شمال يوغندا، ترجع جذورها إلى امرأة تدعى أليس لاكوينا. ففي ثمانينات القرن الماضي، اعتقدت لاكوينا أن الروح المقدسة خاطبتها وأمرتها بالإطاحة بالحكومة اليوغندية، لما تمارسه من ظلم وجور ضد شعب أشولي. وتأسس جيش الرب كمعارضة يوغندية من قبائل الأشولي في الثمانينات، وبالتحديد عام 1986 على يد جوزيف كوني وهو العام نفسه الذي استولى فيه الرئيس اليوغندي يوري موسفيني على السلطة في كمبالا. فقد أثبتت الخرطوم لواشنطن، بكثير أدلة، ونصاعة شواهد، أنها لا يمكن أن تدعم مثل هذه الحركة المسلحة، في إطار حرصها على مكافحة الاٍرهاب.
والمسار الثاني: التعاون في مكافحة الاٍرهاب، وقد أبدت الأجهزة الأمنية السودانية تعاونا وتنسيقا مع الأجهزة الأميركية في ملف مكافحة الاٍرهاب، حتى أن تلكم الأجهزة الأمنية الأميركية أشادت في أكثر من مناسبة بتعاون وتنسيق الأجهزة الأمنية السودانية معها. وقد تحرجت كثيرا من القرارات الرئاسية الأميركية، بعدم إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب الى الدرجة التي جعلتها تفضي الى نظيرتها السودانية بأن هذه القرارات الرئاسية، سياسية أكثر منها أمنية. فلا غرو ان استغل الأخ الفريق أول (أمن) محمد عطا المولى عباس مدير عام جهاز الأمن والاستخبارات الوطني، سانحة المؤتمر الصحفي يوم السبت الماضي، لتأكيد أن السودان نفسه تضرر أيما ضرر من عمليات إرهابية منذ سنوات ماضيات، مستشهدا بأحداث إرهابية مازالت عالقة في أذهان الكثيرين من السودانيين، مثل حادثة «الخليفي» والجزيرة، والجرافة، واغتيال «غرانفيل»، ومجموعة السلمة التي كانت ترتب لعمل كبير . واعتبر الأخ الفريق اول محمد عطا استمرار الجهاز في مكافحة الإرهاب والتطرف أمراً يستند في المقام الأول إلى قيم وموروثات السودان الدينية والاجتماعية، قبل أن يكون محل تفاوض مع الإدارة الأمريكية. فالسودان عندما يكافح الإرهاب ليس إذعانا لمطلوبات أميركية، بل لأنه تضرر منه مادياً وفعلياً، موضحًا ان مكافحة الاٍرهاب في السودان تتم من خلال إستراتيجيات عملية، وصفها بالناجحة والناجعة، طبقت على أرض الواقع وبشهادة الكثيرين كونها لا تقتصر على معالجة التطرف بالإجراءات العسكرية الأمنية فقط، بل عبر معالجات شاملة اجتماعية وفكرية وبإدارة حوار ديني شامل «من أجل اجتثاث التطرف من جذوره». وأن الجهاز في تعاون وتنسيق مع الكثيرين في مجال مكافحة الاٍرهاب. أما المسار الثالث: المساعدة في إحلال السلام في جنوب السودان، فأكد الجانب السوداني للجانب الأميركي، أن السودان أحرص من اية دولة في العالم على إحلال السلام في جنوب السودان، والسودان يبذل جهدا مقدرا مع دول الإيقاد من اجل الوصول الى اتفاق بين الأطراف المتنازعة لإحلال السلام في ربوع الجنوب، لان ذلك سينعكس إيجابا على العلائق السودانية الجنوبية، ويسهم إسهاما فاعلا في تطبيع علائق البلدين.
وفِي المسار الرابع المتعلق بالسلام في السودان، تأكد للمفاوض الاميركي جدية الحكومة السودانية في الوصول الى معالجات حقيقية وشاملة للمشكل السوداني مع القوى والأحزاب السياسية المعارضة والحركات المسلحة من خلال الحوار الوطني، وإنفاذ مخرجاته ومقرراته، وتكوين حكومة وفاق وطني، تعمل على إنفاذ تلكم المخرجات. والاستمرار في عملية التفاوض مع الحركات المسلحة، برعاية الآلية الإفريقية التي تبذل جهدا كبيرا للتوصل الى اتفاق سلام بين الأطراف السودانية.وفِي المسار الخامس المتعلق بالشأن الإنساني، تمكن الجانب السوداني من إقناع الجانب الأميركي بجهوده في إيصال الإغاثة الى المتضررين، دون الإضرار بسيادة الدولة وهيبتها، بشأن وصول العون الإنساني الى المناطق المتضررة من الحرب.  
أخلص الى أن، قرار إلغاء العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على السودان، كان سيدخل حيز التنفيذ في يوليو المقبل، لكن مكتب أوفاك (مكتب مراقبة الأصول الأجنبية) أصدر رخصة عامة تتيح استئناف المعاملات الاقتصادية على الفور». وسيتبع رفع العقوبات الاقتصادية، حسبما ذكر الأخ البروفيسور إبراهيم غندور من ان المفاوضات مع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما خلصت أيضا إلى «رفع التمثيل الدبلوماسي إلى درجة سفير (من قائم بالأعمال )، لكن بسبب الفترة الانتقالية نتوقع أن تعين إدارة ترامب سفيرا بعد استلام مهامها». فهكذا يمثل القرار الرئاسي الأميركي نقلة نوعية في العلائق السودانية الأميركية، مما يستدعي الاستعداد المبكر، والتخطيط السليم، للمشاريع الاستثمارية التي بلا أدنى ريب ستدخل الشركات الأميركية العطشى للاستثمارات في السودان بعد رفع عنها تهديد سيف المقاطعة البتار. فلتنعم بلادنا باستثمارات أميركية في المجالات الزراعية والنفطية والتعدينية..الخ. فعلى الوسائط الصحفية والإعلامية التأكيد على أن الإنجاز لمصلحة الشعب السوداني  الذي صبر وصابر، وواجه المضاغطات المالية والاقتصادية من جراء تلكم المقاطعة الاقتصادية الأميركية المفروضة على السودان التي ودع أوباما الرئاسة الأميركية، برفع عدد من العقوبات الاقتصادية عن السودان. ولم يكن حال كثير من السودانيين إبان هذه العقوبات الاقتصادية الأميركية إلا كحال الإمام أبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي، قائلاً: 
ولرب نازلةٍ يضيق لها الفتى
ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج