الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

إشراقة.. والصعود إلى الهاوية البلالية

لم يكن القرار الذي أصدرته اللجنة المركزية للحزب الاتحادي الديمقراطي، في اجتماعها بدار الشرطة في الخرطوم يوم السبت الماضي، وسط إجراءات شرطية مشددة، بإشراف ومراقبة مجلس الأحزاب السياسية، قراراً مفاجئاً لمراقبي الشأن السياسي السوداني، ومتابعي السجال

والعراك بين مجموعة الأخ الدكتور أحمد بلال عثمان الأمين العام المكلف والأخت إشراقة سيد محمود رئيسة تيار الإصلاح والتغيير بالحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي أفضى إلى فصل الأخيرة، وإسقاط عضوية ستة من مناصريها. فبينما كانت إشراقة سيد محمود تهدد، وتتوعد الأخ الدكتور أحمد بلال عثمان، بالويل والثبور، وعظائم الأمور، يوم يلتقي الجمعان، كان الأخير منشغلاً بكلياته في الوقوف على دقائق الترتيبات واللوبيات، من خلال اللقاءات برجال الحزب ونسائه، وبشيبه وشبابه، في المكاتب والمنازل والمطاعم. فأشعلت إشراقة أوار تلكم الحرب الضروس بينها وبين بلال، عندما تحدت بلالاً، في غير كياسةٍ وحصافًةٍ، وهي تعلن على الملأ تحديها، بصورة لم تألفها السياسة الحزبية السودانية في السجال السياسي بين ذكرانها وإناثها، إذ قالت قولة نكراء، أهاجت في بلالٍ مغاضبةٍ بلغاء، وهي تقول مستأسدة، وإن كانت ليست من فصيل الأسد، صولةً وزئيراً: "أحمد بلال لو راجل، ولو عندو رجالة وشهامة السودانيين يجي يواجه القيادات، ويشرح لهم أسباب الطعن". لكن بلال قبل التحدي، وعمل بكل ما في وسعه لكسب معركة الرجولة والشهامة، مجندلاً إشراقة لتصعد إلى الهاوية. وكي لا يتعجل أحدهم، بأن ملازمة الهاوية السقوط، نؤصل له الأمر، لغةً واصطلاحاً، لأن ذلكم ما ينبغي أن يبسط فيه القول في هذه العُجالة، لوصف ما آل إليه مصير إشراقة في الحزب الاتحادي الديمقراطي.
بادئ ذي بدء، إليك – يا هداك الله – معاني الهاوية ومقاصدها. فالهَاوِيَةُ: اسم من أسماء جهنّم أو أسفل جزء فيها: النّار له كالأمّ يأوي إليها. وقال أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي بن منظور الأنصاري الرويفعى الأفريقي، في معجم "لسان العرب"، أهوى فأخذ، ومعناه: أهوى إليه يده، وتقول: أهوى إليه بيده. وهاوية والهاوية: اسم من أسماء جهنم، وهي معرفة بغير ألف ولام. وقول الله تعالى: "فأمه هاوية"، أي مسكنه جهنم ومستقره النار. وقيل: إن الذي له بدل ما يسكن إليه نار حامية. وقال الإمام أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور بن مروان الأسلمي الديلمي الكوفي، المعروف بالفراء، وهو لقبه "لأنه كان يفري الكلام" أي: يصلحه، "فأمه هاوية"، وقال بعضهم: هذا دعاء عليه كما تقول: هوت أمه على قول العرب، وأنشد قول كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه:
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا
وماذا يؤدي الليل حين يئوب 
ومعنى هوت أمه أي: هلكت أمه. وتقول: هوت أمه فهي هاوية أي: ثاكلة. وقال بعضهم: أمه هاوية صارت هاوية مأواه، كما تأوي المرأة ابنها، فجعلها إذ لا مأوى له غيرها أما له، وقيل: معنى قوله: فأمه هاوية أم رأسه تهوي في النار، قال ابن بري: لو كانت هاوية اسما علما للنار لم ينصرف في الآية. واصطلاحاً، صعود إشراقة إلى الهاوية، كالصعود إلى الهاوية في الفيلم المصري الذي يحمل العنوان نفسه، للكاتب والروائي المصري صالح مرسي، وهو أشهر من كتب في أدب الجاسوسية العربية. وقام في الثمانينات من القرن الماضي، بتأليف قصة "رأفت الهجان". وكان يعمل مع جهاز المخابرات العامة المصرية، في الذي يخص الروايات الخاصة بالجهاز، ويعتبر من المدنيين الذين عملوا مع المخابرات المصرية.
وأحسب أن الأخت إشراقة سيد محمود صعدت إلى الهاوية، طوعاً واختياراً، فلتتحمل تبعات هذا الصعود ومآلاته الحالية والمقبلة. فاللجنة المركزية للحزب الاتحادي الديمقراطي، قد أطاحت بالأخت إشراقة محمود التي كانت مسؤولة التنظيم فيها إلى يوم السبت الماضي، رغم كل تلكم التحديات والصراعات، إلا أن الأخ الدكتور أحمد بلال عثمان الأمين العام المكلف للحزب الاتحادي الديمقراطي، قبل التحدي، وأسدل ستاراً كثيفاً، على مسار حياة إشراقة السياسي، أي أذن بغروب شمسها السياسي الحزبي، في حزب الاتحاد الديمقراطي.
أخلص إلى أن، الأخت إشراقة سيد محمود قد باءت بخسرانٍ مبينٍ، هي ومناصريها، من اجتماع اللجنة المركزية التي طالبت به، حتى مطالبتها بانعقاد المؤتمر العام في أبريل المقبل، لم تفلح في تحقيقه. وحددت اللجنة المركزية للحزب الاتحادي الديمقراطي، الثاني من يوليو المقبل، موعدا لانعقاد المؤتمر العام بجانب تأمينها على قرار حل الأمانة العامة، وتكليف الدكتور أحمد بلال عثمان الأمين العام المكلف بتكوين أمانة جديدة في المرحلة المقبلة، كل ذلك جاء على هوى بلالٍ، الذي خطط فحصد. ولم يكتفِ بلال بهذه الانتصارات، بل ذهب إلى أن قرار فصل إشراقة سيد محمود من الحزب قرار نهائي ولا استئناف بعده، موضحاً بأن حزبه سيدفع مباشرة بخطاب إلى مجلس الأحزاب لإسقاط عضويتها في المجلس الوطني (البرلمان). واعتبر بلال، خلال مؤتمر صحفي أول من أمس (الأحد)، بمزرعة الشريف الهندي، أن اللجنة المركزية هي أعلى جهاز في الحزب بعد المؤتمر العام، ولا يحق الطعن في قراراتها بحسب الدستور. وجزم بأن حزبه لن يسمح لإشراقة سيد محمود بعد اليوم باستخدام علم الحزب أو شعار الحزب أو اسمه، باعتبارها مفصولة من الحزب فصلاً نهائياً دون رجعة، مهدداً بمقاضاة أي شخص يروِّج لها بعد ذلك، معلناً عن عزمه تحريك إجراءات قضائية ضد إشراقة سيد محمود كرد للشرف لإساءتها لقيادات الحزب، ولفت إلى أن المحكمة شطبت كافة الدعاوى المرفوعة ضد الحزب.
وكأني بالأخ الدكتور أحمد بلال عثمان، يقبل تحدي إثبات رجولته، وتأكيد شهامته، فيردد مع الشاعر العربي عبد يغوث بن الحارث بن وقاص بن صلاءة بن المعقل الحارثي:
فيا راكباً - إمّا عرضتَ – فَبَلِّغَن
نداماي من نجـران أن لا تَلاقيـا
جزا الله قومي بالكُلاب ملامـة
صَريحَهـمُ والاخريـن المواليـا
أقول وقد شدّوا لسانـي بنسعـةٍ
أمعشر تَيم: أطلقوا عـن لسانيـا
وتضحك منّي شيخة ٌ عبشميـةٌ
كأن لم ترا قبلي أسيـراً يمانيـا 
وكنْتُ إِذا ما الْخَيْلُ شَمَّصَهَا القَنَا
لَبِيقـاً بتَصْرِيـفِ القَنَـاةِ بَنَانِيَـا