الأحد، 30 أبريل 2017

board

زواج التراضي بين الفقه والسياسة (1)

أثار زواج التراضي المضمن في ورقة الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله دفع الله محمد البشير حمد النحلان، المعروف بالترابي – تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات – المتعلقة بالحريات في التعديلات الدستورية، والتي تقدم بها حزب المؤتمر الشعبي. واعتبر مجمع الفقه الإسلامي وهيئة العلماء في السودان إباحة زواج التراضي بين الزوج والزوجة،

مخالفاً للشريعة الإسلامية، ومهدداً للسلم المجتمعي، بحُجية استبعاد موافقة ولي الأمر، ومن ثم إسقاط شرطٍ من شروط صحة النكاح. بينما استمسك حزب المؤتمر الشعبي بمقترح تعديلاته، متهماً منتقدي المقترح بأنهم يسعون مع آخرين إلى الحيلولة دون إنفاذ بعض مُخرجات الحوار الوطني التي تعهد الأخ الرئيس عمر البشير بإنفاذها. واتهم عدد من قيادات حزب المؤتمر الشعبي، بعض قيادات حزب المؤتمر الوطني، بإثارة حملات سياسية منظمة، لعرقلة مسار إنفاذ مقترح الحريات في التعديلات الدستورية المقبلة، وذلك من خلال العمل على إثارة مغاضبة واستياء قيادات المؤتمر الشعبي، لدفعهم إلى النكوص عن الحوار الوطني، ومن ثم عدم المشاركة في حكومة الوفاق الوطني المرتقبة. وبمراجعة دقيقة لمقترح الشيخ الدكتور الراحل حسن الترابي، نلحظ أنه لم يعلن صراحةً إسقاط شرط وجود ولي الزوجة، ولكنه أعطاها حق الرضا والقبول بوجودها كفاحاً أو وكالة وليها.
وقد أثار طلب اللجنة البرلمانية الطارئة المكلفة بالنظر في أمر التعديلات الدستورية، فتوى من بعض الهيئات الدينية، بشأن هذا الجدل الفقهي الخلافي، مخاوف بعض قيادات حزب المؤتمر الشعبي من أن هذه الهيئات ستنتظم في التنديد بهذه التعديلات الدستورية، خاصة في ما يتعلق بأمر زواج التراضي. ولم تخب شكوكهم، إذ انتظمت غالبية خطب الجمعة في بعض مساجد الخرطوم، منددة بالتعديلات الدستورية، ومهاجمة لتضمينه زواج التراضي، وتركيزها على أن التزويج بين الذكران والإناث دون ولي مناقضة لما جاء في شرع الله. بينما سارع بعض قيادات المؤتمر الشعبي إلى التأكيد أن هذه المادة تم الاتفاق عليها مع رئيس الجمهورية مباشرةً. وأكد الأخ أبو بكر عبد الرازق القيادي في حزب المؤتمر الشعبي في تصريحاتٍ صحفيةٍ أن هذه التعديلات الدستورية مقدمة منذ ثلاث سنوات لمؤتمر الحوار الوطني. وتم التوقيع عليها من قبل محمد بشارة دوسة وزير العدل السابق ومسؤول لجنة العدالة ومحمد العالم آدم أبو زيد من جانب المؤتمر الشعبي، مشيراً إلى أن رئيس الجمهورية استدعى الهيئة التشريعية لإيداع هذه التعديلات الدستورية، وبذلك خرجت من كونها ملكاً للمؤتمر الشعبي. 
ومن الضروري هنا الإشارة إلى، أن هذه المادة الخلافية التي أثارت هذا الجدل هي المتعلقة بحق التزاوج ورعاية الأسرة، وقد نصت فقرتها الأولى على الآتي: الأسرة تُعد الوحدة الطبيعية والأساسية للمجتمع، ولها الحق في حماية القانون، وعند بلوغ سن الرشد المقرر قانوناً يجوز التزاوج بين الذكر والأنثى بالتراضي وبالتعاقد مباشرة أو بوكالة، وتسير الأسرة وفق دين الأطراف أو عرفها، ويرعى المتاع والوصايا والمواريث بعد الموت، وفق ما يلي المعنيين من دينٍ أو عُرفٍ أو قانونٍ، فيما تضمنت الفقرة الثانية: تضطلع الدولة بحماية الأمومة ووقاية المرأة من الظلم، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتأكيد دور المرأة في الأسرة وتمكينها في الحياة العامة.
كان الشيخ الدكتور الراحل حسن الترابي – يرحمه الله -، دائماً يشير في خطب النكاح التي يلقيها في المساجد أو غيرها، إلى حق الزوجة في شهود عقد قرانها، وإبداء قبولها وموافقتها كفاحاً، ولكنه لم يشر إلى أن عدم حضورها كفاحاً، يُحدث اضطراباً في مراسم عقد قرانها أو يثلم العقد. ويشجع على ذلك، بالقول الحسن، في كثيرٍ من خطبه عند توليه إجراء مراسم عقد النكاح، خطبةً ودعاءً. وكان يحث المرأة على شهود مراسم عقد قرانها بنفسها، في وجود وليها، لتكون طرفاً أصيلاً في العقد، وتعبر جهراً وصراحةً عن رضاها عن هذا الزواج. وبالفعل قد شهدت بعضهن مراسم عقد قرانهن، في حضور أوليائهن. وهذا ما أراد أن يضمنه في التعديلات الدستورية، ليكون حقاً أصيلاً للمرأة، إن أرادت أن تشهد مراسم عقد قرانها، في وجود وليها، لا يمنعها مانعٌ عتيدٌ، ولا يحجر عليها تقليدٌ تليدٌ.
والمعلوم بالضرورة، أن الولاية على المرأة ليست سوى للاطمئنان على حسن الاختيار، وفقاً للمذهب المالكي والشافعي وأحمد بن حنبل، في الوقت الذي أسقطه الإمام أبو حنيفة، والإمام ابن قدامة الحنبلي المذهب، معتبراً حديث الرسول حول ولاية المرأة ضعيفاً من حيث السند. 
واستوقفني في هذا الجدل الدائر عن زواج التراضي بين الفقه والسياسة، تساؤل الأخ أبو بكر عبد الرازق حول مباركة علماء السودان للدستور الانتقالي لعام 2005 الذي تضمن المادة نفسها قائلاً: «ما الذي جعل مباركة المادة حلالاً في دستور نيفاشا، وحراماً في تعديلات دستور 2017». وأضاف: « هذه هجمة سياسية منظمة وراءها جيوب داخل المؤتمر الوطني، هم أصلاً ضد الحوار وضد الآخرين والرئيس (عمر البشير) ليس منهم، ونحن الآن نرفع راية التحدي لكل من صلى في مسجد النور أو مسجد جبرة أو المسجد الكبير. ونقول إن هذا محض كذب وافتراء والتعديلات ليست لها علاقة بالولاية تماماً». وبالفعل لماذا كانت هنالك حلالاً، وهنا بدت حراماً؟!
أخلص إلى أن، الزواج له أفضال عديدة، ولكن أعظم فضل فيه هو وعد الله لصاحبه بالغني، تصديقاً لقول الله تعالى: «وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الزواج أغض للبصر وأحصن للفرج». وقال عبد الله بن عباس: «رغبهم الله في التزويج ووعدهم عليه الغنى». وقال عبد الله بن مسعود: «التمسوا الغنى في النكاح». وهذا بلا شك، أنها فضيلة في الزواج. ولهذا بوب الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة الربعي القزويني في «السنن»، باب فضل النكاح. فيكفي في فضل الزواج أنه هدي نبوي حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وسأستعرض في العُجالة المقبلة، اختلاف الفقهاء في تصنيف أركان العقد وشروطه، وهو في مجمله خلاف اصطلاحي لا علاقة له بالأحكام، ومع ذلك فإنه من المهم الاطلاع على هذه التصنيفات، ليسهل التعرف من خلالها على وجوه الاختلاف العامة، وعلى مدى الأهمية التي تكتسيها بعض نواحي عقد الزواج على البعض الآخر، بحسب رؤية الفقهاء لفلسفة الزواج ومقاصده في الشريعة الإسلامية، وصولاً إلى مفهوم زواج التراضي عند الشيخ الراحل حسن عبد الله الترابي، وعند غيره من الفقهاء، لإحداث قدرٍ من المقاربة بين زواج التراضي بين الفقه والسياسة.