الأحد، 30 أبريل 2017

board

زواج التراضي بين الفقه والسياسة (2)

لا ينكر أحد اختلاف الفقهاء، اختلافاً ظاهراً بيناً، حول تصنيف أركان عقد الزواج وشروط صحته. وينبغي التأكيد على أن هذا في مجمله خلاف اصطلاحي، لا علاقة له بالأحكام. ومن المهم أن نبسط القول في هذه العُجالة،

عن ضرورات تصنيفات أركان عقد الزواج، وصحة شروطه، ليكون سهلاً ميسوراً للمرء التعرف من خلال تلكم التصنيفات الفقهية على أوجه الاختلاف العامة، ومدى تحقيقها لفلسفة الزواج، ومقاصده الشرعية. وفِي محاولة لإحداث مقاربة لفهم زواج التراضي عند الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله دفع الله محمد البشير حمد النحلان، المعروف بالترابي – تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات -، وما سبقه من تفصيل عند الفقهاء الأقدمين، من أصحاب المذاهب المعتبرة لدى كثير من المسلمين.
في رأيي الخاص، أن الناظر في تفاصيل شروط النكاح وصحته عند أهل المذاهب الفقهية، يجد أنه من الصعوبة الاستقرار على فتوى واحدة، لأن جوانب الاتفاق والاختلاف بين أصحاب المذاهب الفقهية، تتعدد في كل مسألة من هذه المسائل. ولما اهتمت الوسائط الصحافية والإعلامية، ومنابر المساجد، من خلال السجال الدائر حالياً، حول زواج التراضي المضمن في ورقة الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله الترابي – يرحمه الله – المتعلقة بالحريات في التعديلات الدستورية، والتي تقدم بها حزب المؤتمر الشعبي. واعتبر مجمع الفقه الإسلامي وهيئة العلماء في السودان إباحة زواج التراضي بين الزوج والزوجة، مخالفاً للشريعة الإسلامية، ومهدداً للسلم المجتمعي، بحُجية استبعاد موافقة ولي الأمر، ومن ثم إسقاط شرطٍ من شروط صحة النكاح. فعليه أحسب أن القضية المحورية في هذا السجال، وذلكم الجدال، الولي كأحد أهم شروط صحة النكاح. فالولي وهو عند الأئمة الثلاثة الإمام مالك بن أنس، والإمام محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، شرط لصحة النكاح لا يصح بدونه، ولا فرق عندهم في هذا بين البكر والثيب، وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بدون إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل".
أما الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، فقد ذهب إلى عدم اشتراط الولي، إذا كانت المرأة رشيدة ولو بكراً. وقال صاحب "الهداية" الحنفي: وينعقد نكاح المرأة العاقلة البالغة برضاها، وإن لم يعقد عليها ولي بكراً كانت أو ثيباً عند أبي حنيفة وأبي يوسف الأنصاري، تلميذ الإمام أبي حنيفة. ومن الضروري الإشارة هنا، إلى أن الأئمة الأربعة، هم أئمة المسلمين الذين يجمع على إمامتهم كثير من المسلمين بكافة توجهاتهم، وهؤلاء الأئمة متفقون على كل الأصول الفقهية، واختلفوا في بعض الفروع، والمسائل الفرعية التي اختلفوا فيها هي التي كوّنت نشأة المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي).
ومن مبادئ التيسير عند الحنفية في مسائل الزواج، عدم اشتراط الولي في صحة شرط النكاح، وأن ركن الزواج عندهم الإيجاب والقبول. وهو عند باقي المذاهب الأربعة أكثر من ثلاثة أركان. فيصح عند الحنفية العقد بقول رجل لامرأة زوجيني نفسك، وقالت المرأة: زوجتك نفسي، فيتم الزواج بينهما. قال أبو حنيفة: للمرأة العاقل البالغة تزويج نفسها وابنتها الصغيرة، وتتوكل عن غيرها، ولكن لو وضعت نفسها عند غير كفء فلأوليائها الاعتراض. ويسقط عندهم حق الولي في الاعتراض، وطلب التفريق في حال حملت الزوجة حملاً ظاهراً، حفاظاً على تربية الولد. ودليلهم من القرآن: "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ"، فالخطاب للأزواج لا للأولياء. ودليلهم من السنة حديث: "الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها". فقالوا: الحديث صريح في جعل الحق للمرأة الثيب في زواجها، والبكر مثلها، ولكن نظراً إلى غلبة حيائها اكتفى الشرع باستئذانها بما يدل على رضاها، وليس معناه سلب حق مباشرتها العقد، بما لها من الأهلية العامة. بينما يذهب الأئمة الثلاثة إلى أن الأصل أن الفتاة لا تؤمن على تزويج نفسها، بل لابد من ولي لها حتى لا تخدع، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي"، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد. وهذا الولي إذا توفرت فيه شروط الولاية التي ذكرها الفقهاء وهي: البلوغ والعقل والذكورية والحرية واتحاد الدين، بأن يكونا مسلمين، لأنه لا ولاية لكافر على مسلم والرشد. فإذا توفرت هذه الشروط فإن من السنة أن يبحث هذا الولي زوج صالح لأخته أو ابنته أو من هي تحت ولايته، كما فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في تزويجه لابنته حفصة، حيث عرضها لعثمان فرفض، وعرضها على أبي بكر الصديق فرفض، وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بين أبو بكر سبب رفضه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يذكرها فأعرض عنها - رضي الله عنه وأرضاه -، تأدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا لم تتوفر هذه الشروط فإنه يتولى تزويجها القاضي في المحكمة الشرعية أو من ينوب عنه ممن تبرأ به الذمة.
ومن المهم أيضاً، في هذا الشأن، التأكيد على أن الأصل في الزواج التراضي، فما دام هذا التراضي بين الزوجين موجوداً، جاز ذلك، والدليل على ذلك أن سودة بنت زمعة - رضي الله عنها - زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنازلت برضاها عن ليلتها ومبيتها مع رسول الله، لعائشة - رضي الله عنها - على أن تبقى أم المؤمنين، أي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الأئمة الأربعة أن المرأة إذا تنازلت عن حقوقها برضاها، مثل النفقة والسكنى والمبيت حتى في أمر الوطء، وكانت راضية بذلك، فإن العقد صحيح عندهم، والزواج منعقد ولها أن ترجع في ذلك متى ما شاءت، لأنه حق لها، كما ذكر ذلك أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن المقدسي الجمَّاعيلي الحنبلي في "المغني"، والشيخ محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي في "الحاشية"، والإمام علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، الحنفي المشهور باسم ملك العلماء، في "البدائع".
أخلص إلى أن، قضية زواج التراضي، على الرغم من أنها لم تكن القضية المحورية في ورقة الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله الترابي – يرحمه الله -، المتعلقة بالحريات في التعديلات الدستورية، ولكنها شغلت الوسائط الصحافية والإعلامية، وأصبحت قضية رأي عام. لم يقتصر الجدال حولها، والسجال فيها، بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، بل انداحت مناقشاتها، حتى بين الذين لم يكن مثل هذا الأمر، يأخذ قسطاً من اهتماماتهم، أو يثير فيهم فضول المعرفة والإلمام، بالمقاصد الشرعية، وتبيان جوانب الحلية والحرمة، ومواطن المندوب والكراهة.
وسأجتهد في الحلقة المقبلة، على بسط القول في مفهوم زواج التراضي ومقاصده عند الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله الترابي، من خلال ثورته العارمة في استنهاض همم المرأة المسلمة داخل السودان وخارجه، وانعتاقها من تقاليد العادات السقيمة، إلى فضاءات العبادات الصحيحة، مستصحباً بعض آرائه النيرات، وأفكاره المبصرات، التي ضمنها منذ أمدٍ بعيدٍ في مؤلفه القيم الذي يُعد الكتاب الثالث، في سلسلة مؤلفاته، "المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع"، الذي صدر في عام 1974، الذي يُعد بمثابة الصورة النظرية التي أسس عليها  كفاحه في سبيل تحرير المرأة المسلمة.