الأربعاء، 29 مارس 2017

board

 زواج التراضي بين الفقه والسياسة (3)

لم تكن ورقة الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله دفع الله محمد البشير حمد النحلان، المعروف بالترابي – تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات -، المتعلقة بالحريات في التعديلات الدستورية، والتي تقدم بها حزب المؤتمر الشعبي، مستهدفة زواج التراضي،

دون غيره من قضايا الحريات التي تطرقت إليها، متضمنة مفردات ومصطلحاتٍ عربيةٍ قحوحة، والقحوح، أي الخالص الخالي من الشوائب الغريبة، مثل الطلاقة والزوجانية والتوالي وغيرها. فالزوجانية البشرية عند الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله الترابي – يرحمه الله – في كتابه "الشعائر الدينية وأثرها في الحياة العامة"، تجدها شرحاً مفصلاً عن معاني المصطلح ومقاصده، منها أن الإنسان يبتلى فيها كثيراً بطغيان الهوى والحب والشهوة في معاشراتها ومواطآتها، وتنفصل من نيات الدين وأحكام شرعه، لكن الذاكر لله كثيراً المصلي متجرداً من النظر والكلام والصحبة وغيرها من مثيرات الشهوة الزوجانية والصائم الذي ينكف قطعاً عن إغراءاتها لنهاره كله والحاج المحرم كذلك - شعائره تتواتر في حياته تذكره بأن الزوجية آية من آيات الله ونعمه: " وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ"، "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّة وَرَحْمَة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ". ومن ثم يعتصم المؤمن من فيض شعائره بدواعي الإيمان والعبادة من أن تشذ به عن شريعة الله الشهوات والأعراف الزوجانية. وفِي كتابه "المصطلحات السياسية في الإسلام"، الذي صدر في عام 2000، يكشف الشيخ الدكتور الراحل حسن الترابي عن سبب تأليفه لذاكم الكتاب، فيقول: " وفي سبيل التواضع على لغة فصيحة جميلة في التعبيرات والاصطلاحات السياسية العربية، والتيسير السمح لوسيلة التواصل والتفاهم والتحاور بين الألسن والثقافات السياسية، والتأسيس المستقر الأمين للمعاني والهدي الرشيد القويم للمسير، والدفع الناهض الواعد للمصير في الحياة السياسية الإسلامية.. أقدم هذه المعاني المختصر تعريفها في ورقات". فقد يستشكل على البعض فهم هذه المعاني الاصطلاحية، فيحسبها من غريب اللغة وشواذها، والمرء عدو ما يجهل.
على الرغم من أن قضية زواج التراضي، لم تكن القضية المحورية في ورقة الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله الترابي – يرحمه الله - المتعلقة بالحريات في التعديلات الدستورية، ولكن من اجتهادته المنشورة في هذا الخصوص، أنه يرى ليس هناك ما يمنع المرأة من حضور عقد قرانها، وإعلان رضاها عن هذه الزوجانية، باعتبارها الرابط الأبدي ما بين الرجل والمرأة، واستمراره يقوم على التقوى، وهو ليس كمثل عقود البيع والتجارة والإيجار وغيرها، ويتساءل في سؤالٍ استنكاريٍ، لماذا يأتي وكلاء ما دام أن هناك أصلاء. ولا يعني ذلك، أنه يدعو إلى ألا يشهد وليها مراسم عقد قرانها. وقد بينتُ في عُجالة يوم الخميس الماضي، بشيء من التفاصيل، شروط النكاح وصحته عند أهل المذاهب الفقهية، وصعوبة الاستقرار على فتوى واحدة، لأن جوانب الاتفاق والاختلاف بين أصحاب المذاهب الفقهية، تتعدد في كل مسألة من هذه المسائل.
وأحسب أن بعضهم ظن – إن بعض الظن إثم – أن الشيخ الدكتور الراحل حسن الترابي جاء بشيء إدا، أي فظيعاً منكراً، بينما زواج التراضي أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما أتت صحابية إليه، وقالت إن أبي يريد أن يزوجني من ابن أخيه ليرفع به خسيئته، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم، إن شئت أمضيتي الزواج، وإن شئت رفضتيه. قالت له: أنا موافقة، ولكن أريد أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء. إذن رضا المرأة مقدم على رضا الأب في مسألة الزواج، وتصديقاً لقوله تعالى: "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"، بمعنى كل أمور الدنيا بين النساء والرجال تقوم على التراضي. والقانون السوداني لسنة 1991، تقول إحدى فقراته: "إذا عقد الأب لبنته دون رضاها وموافقتها يظل العقد موقوف النفاذ إلى حين موافقة البنت، فإن رضيت نفذ العقد وصار صحيحاً، وإذا لم ترض يتم فسخ العقد عبر القضاء. أما إذا عقدت البنت زواجها دون رضا والدها أو وليها يعتبر العقد صحيحاً". أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إِلَّا بولي". هذا الحديث أضعفه أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمَّاعيلي الحنبلي، في "السند". ولم يأخذ الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفيّ، بهذا الحديث لأن القرآن الكريم يعطي حق النكاح للزوجة وليس لوليها، ولذلك الأحناف لا يشترطون الولي في الزواج.
أخلص إلى أنه، في خاتمة هذه الحلقات الثلاث عن " زواج التراضي بين الفقه والسياسة"، من الضروري تبيان مقصد الشيخ الدكتور الراحل حسن الترابي من إيراد زواج التراضي في ورقة الحريات، من أن تكون المرأة قبلت بالزوج، وشاورت أهلها، وقبل الولي بالزوج، وأن يكون الولي موجوداً في مجلس العقد، وكذلك المأذون، والعروسان والشهود، وبعدها يمكن للمرأة أن تباشر عقد زواجها مع المأذون مباشرة، أصيلة عن نفسها، أو يمكن أن توكل والدها، أو أي شخص آخر. وهذا ما ذهب إليه بعض الفقهاء الأقدمين، ولكن الشيخ الدكتور الترابي لا يميل إلى كثير عنعنةٍ في نشر أطروحاته وأفكاره، ويحرص على أن تتسم كتاباته بالتجريد في الأفكار والمصطلحات. فلا غرو أن أشار الأخ الدكتور محمد مختار الشنقيطي في توطئة كتابه عن "الحركة الإسلامية في السودان: مدخل إلى فكرها الإستراتيجي والتنظيمي " إلى ما اتسمت به كتابات الترابي من "التجريد في الأفكار والمصطلحات"، مؤكداً أنه "ليس من السهل على شباب الصحوة الإسلامية غير المتمكنين من ناصية اللغة العربية، المتمرسين بالمفاهيم الفلسفية والأصولية، أن يستوعبوا جميع كتابات الترابي بعمق، وهي كتابات تجمع بين تجريدات هيجلْ (الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل) الفلسفية ولغة الشاطبي (أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي الأندلسي) الأصولية". ومن المعلوم بالضرورة، كما يقول السيد محمد حسين فضل الله: " ليست هناك مسافة بين الفقه والسياسة". وإذا نظرنا إلى أطروحة "الإسلام نظام شامل" التي برزت لدى الإمام حسن البنّا، نجدها لا تقرّ بمشروعية السؤال عن العلاقة بين الفقه والسياسة. ويذهب بعض الإسلاميين اليوم إلى أن أطروحة "الإسلام النظام الشامل"، هي أصيلة في الإسلام، وليست طارئة عليه.
واستوقفتني في خطبة نكاح الأخ الحبيب والجار الجُنب عبد الرحمن الصادق الصديق عبد الرحمن محمد أحمد المهدي، التي ألقاها والده الإمام الصادق المهدي يوم الجمعة الماضي، عبارة استنصر فيها لزواج التراضي، حيث قال: "المرأة تقرر مصيرها إن شاءت مباشرةً أو عن طريق وكيلٍ باختيارها . فعبارة مجبرتي تتناقض مع كرامة المرأة، ومع حقوق الإيمان، ومع حقوق الإنسان". لقد أحدث زواج التراضي حراكاً فقهياً، وجدلاً واسعاً، يُحمد لبعض الوسائط الصحفية والإعلامية التقليدية وغير التقليدية، أن انداحت فيها هذه المناقشات، بقدرٍ من الموضوعية، وكثير اهتمامٍ بمقاصد الشرع الإسلامي.