الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

التعديلات الدستورية المقترحة بشأن  حرية الإعلام تقتحم المنابر الأكاديمية

ما زالت التعديلات الدستورية المقترحة بشأن الحريات، التي كتبها الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله دفع الله محمد البشير حمد النحلان، المعروف بالترابي – تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات - كآخر أعماله المعلنة في هذه الحياة الدنيا، قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى،

والتي تقدم بها حزب المؤتمر الشعبي إلى مؤتمر الحوار الوطني، وأُدرجت ضمن مُخرجات الحوار الوطني ومقرراته، بُغية إنفاذها، في إطار التوافق الوطني الذي من المأمول أن يُفضي عما قريب عن حكومة وفاقٍ وطنيٍ، لمعالجة المشكل السوداني.
وتلقيتُ دعوةً كريمةً من الأخ الدكتور محمد عمر عميد كلية الآداب في جامعة الخرطوم، لحضور فعاليات منتدى الآداب الذي خصصته الكلية حول التعديلات الدستورية المقترحة وأثرها في حرية الإعلام أول من أمس (الأحد) بقاعة الشارقة، بحضور ومشاركة الأخ الدكتور أحمد بلال عثمان وزير الإعلام وعضو الآلية التنسيقية العليا للحوار الوطني والدكتور علي سليمان عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم الأسبق، وأدار دفة المناقشات البروفيسور علي محمد شمو رئيس المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية السابق. وفِي تقدمته لهذا المنتدى، حرص الأخ الدكتور محمد عمر على أن يُعرف الحضور بمنتدى الآداب الذي خرج من رحم كلية الآداب، كمنبر أكاديمي يهدف إلى إثارة الحوار الموضوعي، وينظم التفاكر العلمي، في إطار اهتمامه بقضايا المجتمع المختلفة، من خلال مشاركة عدد من العلماء والخبراء، وصولاً إلى مقترحاتٍ عمليةٍ، ومعالجاتٍ علميةٍ، مشيراً إلى أن المنتدى السابق استضاف وزارة التعليم العالي ووزارة الخارجية، حيث تناول قضية رفع عدد من العقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضتها الحكومة الأميركية على السودان، وأثر ذلك على واقع التعليم العالي.
وراقت الطريقة التي استخدمها البروفيسور علي محمد شمو في إدارة الندوة، الحضور واستحسانهم لمداخلاته، وحضور بداهته، لا سيما عندما استسمح الحضور في أن يصف التعديلات الدستورية المقترحة، لإنفاذ مُخرجات الحوار الوطني، بالموجة الثانية وهو مصطلح إذاعي، أثار كثير ذكرياتٍ لدى بعض الحضور الذين سمعوه في خمسينات وستينيات القرن الماضي، مذيعاً فخيماً، وصوتاً رخيما. وأحسب أن البروفيسور علي شمو أراد أن يذكر الحضور أن هذه المناقشات التي تنداح في مثل هذه المنتديات، غير تلكم التي تُثار عبر مداولات المجلس الوطني (البرلمان)، فهذه لها أساليبها وطرائقهم، وذاكم له نظمه وقوانينه.
وأقر الدكتور علي سليمان أستاذ القانون الدستوري وعميد كلية القانون بجامعة الخرطوم الأسبق، في غير لَبْسٍ أو غموضٍ، بأن النص المطروح في التعديلات الدستورية (الذي كتبه الدكتور حسن الترابي)، عصي على الفهم بالنسبة للقانوني، ناهيك عن الشخص العادي، مشيراً إلى أن المادة 8 المقترحة في تلكم التعديلات، أُسقط منها عبارة "في مجتمع ديمقراطي " التي موجودة في النص الحالي، داعياً إلى إعادة العبارة مرة أخرى. وأكد أنه من الضروري الاحتكام إلى القانون في إيقاف ومصادرة الصحف، مضيفاً أنه لا يرى ضرورة للرقابة المسبقة (الرقابة القبلية) إلا فى حالتيّ الحرب والطوارئ، معلقاً أنه لا يرى أيضاً أي حق للسلطة التنفيذية فى إيقاف الصحف ومصادرتها، والرقابة القبلية.
ولفت الدكتور سليمان الانتباه، إلى أن المادة 39 فى الدستور، تشير إلى أن للكل الحق فى حرية التعبير، وتلقي ونقل المعلومات والمطبوعات والوصول للصحافة دون مساس بالنظام والسلامة والأمانة العامة، وفقاً لما يحدده القانون. ورأى الدكتور سليمان أن المادة أعطت المشرع الحق في القيام بما يشاء، وأن الأمر محكوم بنصوص المادة 27 في نصوص الدستور نفسه.
حرص الأخ الدكتور أحمد بلال عثمان في حديثه بمنتدى الآداب، توضيح أن بعضاً من مقررات الحوار، تمت إجازتها من قبل اللجنة التنسيقية العليا، بتفويض من الجمعية العمومية، لتكون ضمن مصفوفة المقررات، ومن بينها مسائل الحريات ما أثار لغطاً. ولم يُخف اختلافه مع موقف حزب المؤتمر الشعبي، الرافض لإجراء أية تعديلاتٍ على المقررات التي أُودعت المجلس الوطني (البرلمان). وقال الوزير "لم نتفق على هذا، وللبرلمان نظمه للنظر في التعديلات الدستورية وتمريرها"، موضحاً أن مناقشة التعديلات في قانون الصحافة الجديد قطعت شوطاً، لكنه أُرجئ إلى حين اكتمال تمرير التعديلات الدستورية. وكشف بلال، في بشارة للحضور، أن الأيام المقبلة ستشهد التحاق عدد من حملة السلاح بالحوار الوطني. كما أوضح أن حزمة تعديلات دستورية جديدة، ستدفع بها الحكومة المرتقبة بعد تشكيلها، وستطول التعديلات أكثر من 67 قانوناً وتشريعاً. 
أخلص إلى أن، منتدى الآداب الذي تنظمه كلية الآداب بجامعة الخرطوم، حرص على ألا يغيب عن الحراك السياسي والقانوني والدستوري الذي تشهده البلاد هذه الأيام، عبر الوسائط الصحفية والإعلامية التقليدية وغير التقليدية، ومنابر المساجد والمنتديات العامة، ومجالس المؤانسات الخاصة، من خلال منتدى حول التعديلات الدستورية المقترحة وأثرها في حرية الصحافة، كل ذلك في إطار إنفاذ مُخرجات الحوار الوطني، وتمهيداً لتشكيل حكومة الوفاق الوطني المرتقبة. وفِي ما يتعلق بالمادة 8 التي أسقطت عبارة "في مجتمع ديمقراطي"، طالب الأخ الدكتور بشير آدم رحمة القيادي في حزب المؤتمر الشعبي بإعادة تلكم العبارة. ودعا إلى ضرورة الإشارة إلى هذه التعديلات المقترحة، بأنها من مُخرجات الحوار الوطني، ولم تعد ملكاً للمؤتمر الشعبي. والمعلوم بالضرورة، أن هذه التعديلات المقترحة، ألزمت الدولة بكفل حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، وفقاً لما ينظمه القانون، على أن تلتزم كل وسائل الإعلام بأخلاق المهنة، وبعدم إثارة الكراهية الدينية أو العرقية أو العنصرية أو الثقافية أو الدعوة إلى العنف أو الحرب. وهكذا نجد أن  التعديلات الدستورية المقترحة تقتحم المنابر الأكاديمية، إثراءً للمناقشات، وتكثيفاً للمحاورات، وتوسيعات للمبادرات.