الأحد، 30 أبريل 2017

board

رحيل ملاك الأملاك

غيب الموت الحاج أبو الفتح حسن متولي يوم الثلاثاء الماضي، والموتُ هو حقٌّ علينا، ويُدركنا أينما نكون حتى ولو كنا في بروجٍ مشيدةٍ، تصديقاً لقول الله تعالى: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًاً".

وما زال الكثير من أهليه وأصدقائه ومعارفه حزنى على فراقه، حيث تدافعوا زُمراً وفُرادى إلى تشييع جثمانه إلى مثواه في مقابر حلة حمد، ومن ثم عرجوا إلى منزله في حلة حمد ليقيموا مأتماً لتقبل العزاء، للتعبير عن المواساة والحزن لفراقه، واصطبارهم على فقده. والتعزية سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء. وقد رُفع المأتم أول من أمس (الأربعاء)، إذ أن العزاء لا ينتهي بانتهاء المأتم. فتبارى عدد من المتحدثين في رثائه، إيذاناً برفع ذاكم المأتم، وقد كنتُ من هؤلاء الذين رثوه حُزناً لفراقه.
فالرثاء في اللغة بتصريفاتها، كما جاء في "لسان العرب" لمحمد بن مكرم بن علي أبي الفضل جمال الدين بن منظور الأنصاري الرويفعي الأفريقي، بمعنى "البكاءُ على الميت بعد موته ومدحه وتعديد محاسنه، أو نظم شعر فيه بعد موته ". واصطلاحاً الرثاء هو التوجع والحزن. وقال شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني في «فتح الباري».. ويقال رثيته إذا مدحته بعد موته، ورثيت له إذا تحزنت عليه.
كان الراحل أبو الفتح حسن متولي، دمث الخلق، كريم الخصال، جميل المعشر، سمح النفس، طيب السجايا. كان يتعامل مع الناس أجمعين بخُلقٍ حسنٍ، ومعاشرةٍ طيبةٍ، قولاً وعملاً. عمل الراحل أبو الفتح حسن متولي في الصيرفة، وتقاعد من البنك الزراعي بعد خدمة في مجال الصيرفة لآجالٍ طوالٍ. وبعد تقاعده افتتح متجراً بالقرب من منزله، لم يكن ذاك المتجر بغرض الربح، ولكنه جعل مقصده منه المرابحة في عمل الخير، وتقديم العون. كان يستقبل مساء كل يومٍ من أيام الأسبوع، مجلس مؤانسة يرتاده بعض من أهليه وأصدقائه ومعارفه، لتنداح فيه كثير مناقشاتٍ في السياسة والاقتصاد والثقافة والفقه، يشاركهم النقاش، وينأى عنهم عند المجادلة والجدال، منشغلاً عنهم ببعض أمور المتجر، لأنه يعلم أن الجدال باب من أبواب الخصام، فيربأ بنفسه أن يكون خصماً لضيوفه. وحجاجه في ذلك قول الله تعالى: "وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ"، وقال أبو إسحاق: قالوا معناه: لا ينبغي للرجل أن يجادل أخاه فيخرجه إلى ما لا ينبغي. وقيل الأصل في الجدال الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: " الجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه". وقال ابن عطية: الجدال: "المراجعة في الحُجَّة والمخاصمة والمقابلة بالأقوال حتى تقع الغلبة". فلم يكن الراحل أبو الفتح يرغب في المنازعة والمغالبة مع ضيوفه،. وفي أحايين كثيرة عندما يشتد الجدال بين ضيوفه في مجلس المؤانسة هذا، يلوذ بالصمت، وفي صمته كلامٌ. فإن رحيله يُمثل لنا جميعاً رحيل ملاك الأملاك بحقٍ وحقيقةٍ.
أخلص إلى أن، أبا الفتح كان ركناً ركيناً لأسرته، وصديقاً مخلصاً لأصدقائه، كان جم التواضع، وكثير الاهتمام بمسجد والده الحاج حسن متولي، فقد صليتُ في هذا المسجد، إماماً وخطيباً في بعض جُمعاتٍ سابقاتٍ، فراقني إشرافه المباشر على نظافة المسجد وترتيبه، وتنظيم حلقات التلاوة الراتبة فيه. ومن الملاحيظ التي استوقفتني متابعته لإمام الجمعة وخطيبها، حتى يصعد المنبر، فيطمئن على تمام أركان صلاة الجمعة، ولا ينتهي همه واهتمامه بأداء المصلين لصلاة الجمعة، بل يسعى بينهم مستفسراً عن الخطبة، ومدى فهمهم لها، واستيعابهم لمقاصدها، فإن غم عليهم معنىً أو مقصداً، فلا يتحرج أن يطلب من الإمام، في أدبٍ جمٍ، ولينٍ بالغٍ، أن يشرح في الخطبة المقبلة، بعضاً مما استشكل على عددٍ من المصلين فهمه. وقد اقترحتُ في رثائي له في مراسم رفع المأتم، أن يُبذل جُهداً مع الجهات المختصة لتسمية الشارع المار أمام منزله ومتجره باسمه، تقديراً لجهوده في الحي، وتكريماً لإسهاماته في أعمال الخير. وحدثني الأخ الصديق السموأل خلف الله وزير الثقافة الأسبق وإمام وخطيب صلاة الجمعة الراتب في مسجد الحاج حسن متولي بالخرطوم بحري، عن اقتراحٍ راقني بتخصيص يومٍ في الشهر نعقد فيه مجلس مؤانسة أمام متجره، وفاءً وتذكراً، وأيدته عليه بأن تنظمه ثلاث جهاتٍ بالتعاون والمشاركة، الأسرة وأروقة وعُصبة كرام الصحافيين.
وأقول إن حال أبي الفتح ونفسه التواقة إلى فعل الخير، هي التي أوهنت قلبه العليل وعلت جسمه النحيل، فلم يكن يولي اهتماماً لقلبه العليل، وهو يجوب الأحياء، قريبها وبعيدها، مصلحاً بين الأسر والأفراد، ومشاركاً في الأفراح والأتراح. وكأني بالشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبئ، عناه مع نفسه، عندما قال:
وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
وأحسب أن أهله وأصدقاءه ومعارفه، عندما بلغهم نبأ وفاة أبي الفتح حسن متولي، رددوا رثاءَ لحالهم، قول الشاعر العربي عبدة بن الطبيب راثياً قيس بن عاصم:
وما كان قيس هلكه هلك واحد
ولكنه بنيان قوم تهدما
وختاماً, أسأل الله تعالى أن يتقبل أبا الفتح حسن متولي قبولاً طيباً حسناً، ويلهم ذويه وأصدقاءه ومعارفه الصبر الجميل. (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ).