الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

 بكري حسن صالح الذي أعرفه (1) 

بعد مراجعة مُعطيات كثيرة، وحيثيات عديدة، هيأتُ نفسي بقدرٍ من المعلومات، وكثير تحليلاتٍ، عندما سُئلت في برنامج "بعد الطبع" في قناة النيل الأزرق يوم الثلاثاء الماضي، تعليقاً وتحليلاً، على خبرٍ في صحف ذاكم اليوم السيارة عن حظوظ عدد من المرشحين لرئاسة الوزراء،

فلم أتردد في الجزم بعلو حظوظ الأخ الفريق أول بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية لجملة أسباب ومسببات لهذا الاختيار، من ذلك استدامة التنسيق بين الرئاستين، وإبعاد شبهة التوترات والمنازعات بينهما، وأن الانسجام بينهما طوال هذه السنين، جعل ثقة الأخ الرئيس عمر البشير في نائبه الأول منذ أن كانا في سلاح المظلات تزداد يوماً بعد يومٍ، وعركتها الأيام والسنون، إبان مسيرة الإنقاذ، وعبر السنين. وذهبت إلى أن هذا التفاهم بين الرئاستين سيعجل بإنفاذ مُخرجات الحوار الوطني. كما سيعجل بإجراءات إصلاح الدولة في مرافقها كافة. ولما شاركتُ في برنامج "خطوط عريضة" في التلفزيون القومي يوم الأربعاء الماضي، زدت على تلكم الحيثيات، تعليقاً وتحليلاً، بأن أشرت إلى أن الأخ الفريق أول بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية ستكون حظوظه أوفر ليصبح أول رئيس للوزراء منذ مجيء الإنقاذ في 30 يونيو 1989، لعاملين مهمين ثقة الأخ الرئيس عمر البشير فيه، وإجماع المشاركين في الحوار الوطني عليه، لذلك سيكون من اليسير اختياره. فلا غرو أن أقر المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني بالإجماع ترشيح الرئيس لنائبه في منصب رئيس الوزراء الذي استحدث لأول مرة منذ عام.1989 وأصدر الأخ الرئيس عمر البشير يوم الخميس الماضي، مرسوماً جمهورياً بتعيين بكري حسن صالح رئيساً للوزراء مع الاحتفاظ بمنصبه الحالي نائباً أول لرئيس الجمهورية. وكان المجلس الوطني (البرلمان) قد صادق في ديسمبر الماضي على تعديلٍ دستوريٍ، استحدث بموجبه منصب رئيس الوزراء، وفقاً لمُخرجات الحوار الوطني.
لم يكن تعيين الرئيس عمر البشير لنائبه الأول بكري حسن صالح، فيه كثير مفاجأة لمراقبي الشأن السياسي السوداني، إذ أن الأخير لازم رفقة الرئيس البشير منذ الأيام الأولى للإنقاذ في 30 يونيو 1989، زِد عليها رفقة سلاح المظلات قبل ذاكم التاريخ، وأنه من المقربين الخُلص للرئيس البشير. أما كسبه العسكري والسياسي، لا يحتاج كثير عناء لسبر غوره، ومعرفة سهوله وتضاريسه، وأحسبه من السودانيين القلائل الذين قادوا المنظومات العسكرية والأمنية، فهو قد كان مسؤولاً عن جهاز الأمن، إضافةً إلى تسنمه وزارة الداخلية حيناً، والدفاع أحياناً، إلى جانب كثير مقربته من الأخ الرئيس عمر البشير عند تسنمه وزارة رئاسة الجمهورية، ومن ثم تعيينه نائباً أول للرئيس في الثامن من ديسمبر 2013. وعُرف عن الأخ بكري حسن صالح أنه سريع الخطى في إنفاذ مهامه، وغير متوانٍ في أداء واجبه. وقد لحظ الكثيرون أنه ما أن فرغ من أداء اليمين الدستورية يوم الخميس الماضي، فسارع إلى إصدار قراره بإعفاء الوزراء وتكليفهم بتسيير مهام تلكم الوزارات إلى حين تشكيل حكومة الوفاق الوطني. والمعلوم عنه أنه يبذل جهداً مقدراً لإحداث إصلاحٍ متدرجٍ في أجهزة الدولة. وأحسب أن الأخ الفريق أول بكري حسن صالح سينهج في رئاسة مجلس الوزراء نهجاً أكثر انفتاحاً وبراغماتية في التعامل مع المتغيرات الداخلية والخارجية.
وفي رأيي الخاص، أن المشاورات التي سيجريها الأخ الرئيس عمر البشير مع الأحزاب والقوى السياسية والحركات المسلحة التي شاركت في فعاليات الحوار الوطني، ووقعت على "الوثيقة الوطنية"، سيكون البكري دينمو هذه المشاورات، لأن تشكيل حكومة الوفاق الوطني ستكون المهمة الصعبة التي تواجهه في بداية الطريق. فقد قال الأخ الرئيس عمر البشير في هذا الصدد، في غير لبسٍ أو غموضٍ "إن الكعكة صغيرة والأيادي كثيرة، وتركوا لي فرصة تشكيل الحكومة الجديدة وهي مسؤولية كبيرة"، في إقرار منه بأن مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة، ستكون الأصعب "نظراً للأعداد الكبيرة للقوى السياسية والحركات المسلحة التي شاركت في الحوار". ولكن الرئيس البشير حرص على تأكيد أن عملية تنصيب بكري حسن صالح، ليس الهدف منها تقسيم الكعكة، ولكنها إفراز لمُخرجات الحوار الوطني. 
أخلص إلى أن، الفريق أول بكري حسن صالح من أبناء الدفعة 24 في الكلية الحربية، عمل في مواقع عسكرية عديدة، في مختلف ولايات السودان، مقدماً التضحيات الجسام للقوات المسلحة، لا سيما في حرب الجنوب التي اندلعت مجدداً في مايو 1983، وشارك بفاعلية في الإعداد والتخطيط والتنفيذ في 30 يونيو 1989، وأسهم إسهاماً فاعلاً في نجاح الإنقاذ الوطني. لم ينأى البكري طوال هذه السنين الإنقاذية عن دائرة الفعل السياسي، ويفضل العمل في معالجة الملفات الشائكة بشئٍ من الصمت، ليس إقلالاً لدور الوسائط الصحافية والإعلامية التي يعتبرها شريكاً أصيلاً في العملية السياسية، رقابةً وتقويماً، مع ذلك تجده كثير زهدٍ في الأضواء والإعلام، وربما أثر فيه عمله في جهاز الأمن والمخابرات الوطني في السنوات الأولى من العهد الإنقاذي.
ومن المأمول، أن يعجل البكري بخطوات إصلاح أجهزة الدولة، ومحاربة الفساد والمفسدين، لا سيما وقد خطى خطواتٍ متقدمةٍ في معالجة بعض أوجه القصور في زياراته الميدانية لبعض الوزارات والمرافق الحكومية، بُغية الإصلاح والتقويم. ومن الضروري الإشارة هنا، إلى أن البكري سيعمل جاهداً على توحيد الصف الوطني، من أجل تحقيق توافقٍ وطنيٍ، واصطفافٍ وطنيٍ على مبادئ الحق والعدل والحريّة. 
وفي العُجالة المقبلة، سأُفصل الحديث عن بعض ما أعرف عن البكري، ومواقفه من الوسائط الصحافية والإعلامية، وجنوحه إلى الصمت، ونأيه عن الأضواء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وتلمس شخصيته التي تجمع بين الصرامة المرغوبة، والطُرفة المحبوبة. ومن المهم أن تنتبه الوسائط الصحافية والإعلامية التقليدية وغير التقليدية، إلى أنه من دواعي البرتوكول أن رئاسة الوزراء لا تسقط عبارة النائب الأول، ولا تسقطها، فعليهم الالتزام بالترتيب التالي: النائب الأول للرئيس ورئيس الوزراء، ومن الملاحية التي ينبغي الإشارة إليها أن وسائلنا الصحافية والإعلامية، لا تُعني بالترتيبات البروتوكولية عند استخدامها للألقاب والأوصاف، وينفرد لذلك عُجالة في قريب الأيام. فالبكري يوفق في غير تكلفٍ وصنعةٍ بين اللين والقوة، حتى كأنك تحسب أن الشاعر السوداني الراحل إدريس محمد جماع عناه عندما قال:
هين تستخفه بسمة الطفل
قوي يصارع الأجيالا
حاسر الرأس عند كل جمال
مستشف من كل شيء جماله