الأحد، 30 أبريل 2017

board

 بكري حسن صالح الذي أعرف (2) 

لم يجد اختيار الأخ الفريق أول بكري حسن صالح خيري النائب الأول لرئيس الجمهورية، رئيساً للوزراء، كثير مُلاججة، وعظيم مُحاججة، من أغلب الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في فعاليات الحوار الوطني.

واستبشر الكثيرون من السودانيين، سياسيين وغير سياسيين بهذا الاختيار الذي اعتبروا أنه صادف أهله، لما يتميز به البكري من علائق طيباتٍ مع شرائح مجتمعيةٍ واسعةٍ، إضافة إلى الرموز الدينية، والقيادات السياسية. وحافظ على هذه العلائق الطيبات، بعيداً عن تأثيرات التوترات السياسية وتداعياتها. ويتميّز البكري بهدوءٍ غير مصطنعٍ، وتواضعٍ غير منكورٍ. ولم يشتط في موقفٍ سياسيٍ معينٍ، ولم يلج عوالم الخصومات السياسية، والمنازعات والتعصبات، في كثير مواقفٍ، وعديد آراءٍ، فهو يجنح إلى الصمت، عندما يكون للصمت معنىً. إنه قليل الكلام، كثير الأفعال، طبعاً وليس تطبعاً. فهو شخصٌ وفاقيٌ، ويكسب ود عارفيه بسهولة ويُسر. لم يبتعد عن الفعل السياسي، والتأثير القيادي، منذ أن حمل روحه في كفه مرابطاً في بوابة سلاح المظلات، عند ساعة الصفر للإنقاذ الوطني في ليلة الجمعة 30 يونيو (حزيران) 1989، إيذاناً باستلام سلطةٍ شارف مكوثها على سدة الحكم، ثلاثة عقودٍ إلا قليلاً . لم تكن تلكم الليلة بداية معرفة المقدم بكري حسن صالح خيري، بالعميد عمر حسن أحمد البشير، فقد تعارفا تحت مظلة سلاح المظلات، ووثقت العلاقة بينهما بوابة سلاح المظلات، إذ أُوكل إلى البكري في تلكم الليلة العصيبة، مهمة فتح بوابة سلاح المظلات، وتأمين دخول العميد عمر حسن أحمد البشير إلى القيادة العامة، التي تسلمها عبر هذه البوابة، حيث كان البكري ينتظر قائده أمامها. ولم يتم اختيار البكري لتلكم المهمة مصادفةً من قبل مدبري الانقلاب العسكري، بل جاء عقب نجاحه في مهمة الاتصال بضباط القوات المسلحة في مرحلة التخطيط والتنفيذ للانقلاب. وكان الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله الترابي – تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات – قد قال لأحمد منصور مقدم برنامج(شاهد على العصر) الذي بثته قناة الجزيرة، عقب وفاة الشيخ حسن الترابي، إن بكري كان حلقة الوصل الوحيدة بين مدبري ومخططي الانقلاب وضباط القوات المسلحة. ومنذ تلكم الليلة التي آلت السلطة إلى الإسلاميين، وتسنم قيادة دولتها الأخ الرئيس عمر حسن أحمد البشير، إلى يوم الناس هذا، تعمقت ثقة البشير في البكري، وازدادت وثوقاً، مع تقلبات الأيام، وعبر السنين، قدماً ورسوخاً وعمقاً. وبينهما ود عظيم، لا يخفى على أحدٍ، ولا ينكره من ألقى السمع وهو شهيد. والبكري في وده غير المخفي هذا، للأخ الرئيس عمر البشير، أحسبه يردد مع الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى:
الود لا يخفى وإن أخفيته
والبغض تبديه لك العينان
فلا غرو أن عينه الرئيس البشير نائباً أول له في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2013، ودون تردد اختاره رئيساً للوزراء في الأول من مارس (آذار) 2017، إنفاذاً لمُخرجات الحوار الوطني ومقرراته، وثقةً في أنه أهل لهذا الاختيار، ويقيناً أن اختياره سيجد قبولاً ورضاً، لدى الكثير من الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، وغالبية شرائح المجتمع السوداني. فالبكري لا يتجادل اثنان في مدى قربه من الأخ الرئيس عمر البشير، وفاعليته في صُنع القرار، وبُعده عن مواضيع الخُلف والاختلاف، ونأيه عن مواقع المنازعات والصراعات. وأحسب أن تأكيد الأخ إبراهيم السنوسي الأمين العام المكلف لحزب المؤتمر الشعبي، أن اختيار الأخ الفريق أول بكري حسن صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية، رئيساً للوزراء، كان بالتوافق وبإجماع اللجنة التنسيقية العليا المنبثقة عن الحوار الوطني. وقلل السنوسي من مخاوف عسكرة حكومة الوفاق الوطني المرتقبة، بحُجية أن رئيسها ذو خلفية عسكرية، مشيراً إلى أنه لا خوف على مدنية حكومة الوفاق الوطني، التي ستشكل قريباً، إنفاذاً لمُخرجات الحوار الوطني. وقال السنوسي: (اختيار الفريق أول بكري حسن صالح رئيسا للوزراء، وافقت عليه اللجنة العليا المنوط بها تنفيذ مُخرجات الحوار الوطني بالإجماع. ولأن حزب المؤتمر الوطني هو الحزب الحاكم، وهو صاحب الأغلبية في البرلمان، فقد ترك لزعيمه الرئيس عمر البشير مهمة اختيار رئيس الوزراء، وقد اختار الفريق أول بكري حسن صالح، ووافقت اللجنة على ذلك). ووصف السنوسي البكري بأنه (ابن الدولة)، فهو أحد أعضاء مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني عام 1989، ومنذ ذلك الحين تقلد العديد من المناصب الوزارية، وصولاً إلى منصب النائب الأول، وأخيراً رئاسة الوزراء.
أما الأخ مبارك الفاضل المهدي، القيادي في حزب الأمة، قال أول من أمس (السبت)، إن مُخرجات الحوار الوطني أوفت بكل المطلوبات، ورحب باختيار الفريق أول بكري حسن صالح رئيساً للوزراء، ودفع بـ 6 نقاط كأولويات للمرحلة المقبلة، مجدداً دعمه للتسوية السياسية، مُضيفاً أن تجاوز مراحل الماضي بسلبياته، وتحقق التحول الديمقراطي، والسلام والتنمية في هذه المرحلة الحرجة يتطلب نهجاً قومياً في الحكم، مؤكداً (أن الأخ بكري حسن صالح بحكم انتمائه للقوات المسلحة السودانية التي عُرفت بقوميتها خير من يؤدي هذه الأمانة). وأوضح مبارك الفاضل أن مُخرجات الحوار الوطني قد أوفت بكل المطلوبات ولم تترك شيئاً.  أخلص إلى أن، سبر غور شخصية الأخ الفريق أول بكري حسن صالح خيري النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، مهما ادعى المرء معرفتها، تحتاج إلى قدرٍ من الاصطبار، لأن صاحبها متعدد الأعباء، كثير الأفعال، قليل الكلام. فالمتتبع لها في محاولة لتفكيك طلاسمها، ومعرفة حقيقتها وكنهها، ينتهي به الأمر، إلى أن يُعلن صراحةً أنه لم يستطع معها صبراً. ويستذكر في هذا الخصوص، قول صاحب الحوليات زهير بن أبي سلمى في معلقته الشهيرة:
وَكَاءٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِـبٍ
زِيَـادَتُهُ أَو نَقْصُـهُ فِـي التَّكَلُّـمِ
لم يأت البكري بصمته هذا، شيئاً إداً، أي فظيعاً منكراً، وإن كنّا نحن معاشر الصحافيين، ننكر عليه ذلك، ونحثه على كثير الكلام، رغبةً في المعلومة، واستدامةً للصُحبة والرفقة، وهو يذكرنا ما نسينا من نعمة الصمت، مستشهداً في ذلك، بقول سيدنا علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه -: (إذا تمَّ العقل نقص الكلام، وبكثرة الصمت تكون الهيبة).
ونراجع معه تذكراً وتعلماً، بعض الأقوال المأثورة والحكم المنثورة، عن الصمت، ونتدارس معه، حِكَم  قُس بن ساعدة وأكثم بن صيفي، وهما من أبلغ العرب، بعد تجارب الكلام وحياة حافلة من الأقوال المأثورة والحِكم المنثورة، ونقف عند قول أحدهم :الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت، والعاشر في اعتزال الناس. وأحسب أن البكري يتمثل في صمته دائماً، قول أبي إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، المعروف بأبي العتاهية:
يخوضُ الناسُ في المقالِ ليوجزوا ولَلصَّمْتُ عن بعضِ المقالاتِ أوجزُ