الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

بكري حسن صالح الذي أعرفه (4)

أختتم اليوم (الخميس) الحلقات الأربع التي خصصتها، عن الأخ الفريق أول ركن بكري حسن صالح خيري النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، في محاولة مني لبذل ما أعرفه عنه، ليتعرف القارئ الكريم من خلال هذه المحاولة على جوانب من شخصية أول رئيس وزراء في عهد الإنقاذ،

أي منذ ليلة الجمعة 30 يونيو 1989، لقد حصلتُ على قدرٍ من المعلومات عن البكري، بحثاً واتصالاً.  فقد التقيته كثيراً إبان عملي في صحيفة «الشرق الأوسط» لسنين عدداً، وقرأت عنه، وجالست مقربين منه، بُغية معرفته، والتعريف به.  وقد أجمع معارفه على أنه بطبعه قليل الكلام، كثير العمل. ومن لا يعرفه، يظن – وليس كل الظن إثماً – أن فيه شدةٌ وصرامةٌ، بينما هو شديدٌ عند الشدائد، وهينٌ لينٌ عند غيرها، وهو حازمٌ صارمٌ عند عزائم الأمور، والخطوب المدلهمة.  ولكنه في الوقت نفسه، يطرب للكلمة المموسقة، ويضحك للطُرفة اللماحة، وتروقه سرعة البداهة. فيذهب بعض المقربين منه إلى وصفه بتواضعٍ يقربه من أهل التصوف والزهد.
لم يُعرف عن البكري كثير اهتمام بالسياسة في عهد صباه الباكر، لم يكن من المعروفين أيام دراسته في مدرسة دنقلا الثانوية بالالتزام السياسي للاتجاه الإسلامي، إلا أنه كان الأقرب إليهم، عاطفةً وخُلقاً.  فلا غرو أن أُختير كثاني أصغر ضابط في مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني.  وكُلف من قبل قيادة الإنقاذ بتحمل مسؤوليات عسكرية جسام، أداها بحقها واستحقاقها. لم يُلاجج في أداء أصعب مهمة، وهي تأمين دخول العميد عمر حسن أحمد البشير من البوابة الشرقية (المظلات) في القيادة العامة. فكانت هذه المهمة رأس الرمح في تسنم الأخ الرئيس عمر البشير زمام قيادة القوات المسلحة من داخل القيادة العامة، وإنجاح مراحل تسلم السلطة بسلام وهدوء.  لم يكن المقدم بكري حسن صالح خيري في تلكم الليلة العصيبة، مسؤولاً عن البوابة الشرقية للقيادة العامة، مصادفةً ورغبةً، لكن وجوده المختار، ساهم بقدرٍ كبيرٍ في نجاح الانقلاب، لا سيما بعد أن عزز تأمين القيادة العامة بالدبابات. ومما لا ريب فيه، أن هذه المبادأة العسكرية، قد أدخلت كثير اطمئنان على قلوب وأفئدة قادة الإنقاذ عسكريين وغير عسكريين، وزادتهم إيماناً واقتناعاً، بأنهم تخطو الحواجز والموانع، وأحكموا تسنمهم للسلطة في السودان، تنفيذاً واقتداراً، دون إراقة دماء أو كثيف اضطراب.  فعليه بعد هذه الخطوة الجسورة، أُحكمت تدابير التقية، وترتيبات التمويه، من خلال الاعتقالات للقيادات الإسلامية، جنباً إلى جنبٍ مع نظرائهم قيادات الأحزاب والقوى السياسية، وإنكار دور الإسلاميين في هذا الأمر. ولم يكن من السهل الميسور إعلان حقيقة هوية الانقلاب، لتفادي مُكر الماكرين من داخل السودان وخارجه.  وبدأت كثير دوائر تسأل عمن هؤلاء، حتى صحيفة «القوات المسلحة»، الناطقة باسم الجيش، غُم عليها حقيقة هوية الانقلاب، وغاب عنها كُنه الإنقاذ.  قال أحد الضباط في السويعات الأولى للإنقاذ للأخ الرئيس عمر البشير، إن الضباط في «الميز» يرددون أن الجبهة القومية الإسلامية وراء الانقلاب، فما صحة ذلك؟ ضحك البشير، ولم يرد على تساؤله، وسرعان ما تدخل البكري، مستخدماً فقه التقية، نافياً أية علاقة للانقلاب مع جهة، لا جبهة ولا خلافه، مشيراً إلى أنهم في البيان، قالوا: « نحن لا مع اليمين ولا مع اليسار».
أحسب أنه من الضروري الإشارة هنا، إلى أن الشيخ الدكتور الراحل حسن عبد الله دفع الله محمد البشير حمد النحلان، المعروف بالترابي – تنزلت عليه شآبيب رحمات الله الواسعات - زعيم الحركة الإسلامية في السودان عند قيام الإنقاذ في 30 يونيو 1989، استخدم فقه التُقية، بالذهاب إلى السجن حبيساً مع غيره من الزعماء والقيادات الحزبية السياسية المخالفين لتوجهات قادة حركة الإنقاذ، في إطار البُعد عن احتمال الضرر في شيء ما يلزم العاقل تجنبه، وهي المخاطرة الانقلابية، وتداعياتها إذا فشلت سيكون خُسراناً مبيناً للحركة الإسلامية كلها، تنظيماً وكوادر، وهذا ما عُرف عند أصوليي المذاهب الإسلامية بقاعدة «وجوب دفع الضرر المحتمل»، وهذا ما جاء في مقولته التقية الشهيرة، حيث قال: « قلت للبشير اذهب للقصر رئيساً، وأنا أذهب إلى السجن حبيساً»، وهي في سياق التمويه، وكسب الوقت، حتى يجد التحرك العسكري مشروعية استمراره، وتجنب إجهاضه، محلياً وإقليمياً ودولياً، وأن يُعطى الفرصة للتمكين للمشروع الإسلامي آنذاك.  ولكن بعض أهلينا من السودانيين يظنون، - بعض الظن إثم -، أن تُقية الدكتور حسن الترابي في 30 يونيو 1989، ما هي إلا كذبٌ وتدليسٌ وخداعٌ، ولكن من خلال تبيان مفهوم التُقية، اصطلاحاً في الفقه الإسلامي، يتأكد لنا أن الشيخ الدكتور حسن الترابي، كان مجتهداً في تفعيل الفهم الفقهي للتُقية، وتنزيله إلى أرض الواقع المعاصر، للإفادة منها في ذلكم الحال.
والمعلوم بالضرورة، عند الحديث عن التُقية، وقد فصلتُ ذلك تفصيلاً في مقالٍ لي نُشر في 20 فبراير 2011، ولكن لا بأس من التوضيح والإبانة، هنا أيضاً، لمفهوم التُقية الذي هو من المفاهيم الإسلامية الأصيلة التي شرعها اللّه تعالى لتكون ترساً للمؤمن، ووقاءً لعرضه وكرامته، حيثما وجد نفسه لا يقوى على مقاومة الظالمين.  ولقد أكدتها السنة المطهرة قولاً وفعلاً، واستعملها الصحابة والتابعون، رضي اللّه تعالى عنهم، وأقرها جميع الفقهاء والمحدِّثين والمفسرين من سائر المذاهب والفرق الإسلامية.  والتُقية هي ما وافقت حكم العقل، لأن احتمال الضرر في شيءٍ ما يلزم العاقل تجنبه إذا ما استحق صاحبه اللائمة لو أقدم عليه، وهذا هو ما عرف عند أصوليي المذاهب الإسلامية بقاعدة: «وجوب دفع الضرر المحتمل»، كما أن لقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» علاقة وطيدة بالتُقية، مما يكشف عن مدى تغلغل هذا المفهوم الإسلامي في كثير مما يصدق عليه عنوان: «الضرر» أو «الإكراه»، سواء أكان ذلك في ‏أصول العقائد الإسلامية، أو الأحكام الشرعية الفرعية، بل وحتى في الآداب والأخلاق العامة. فالتُقية كما تقدم ليست هي- كما يتصورها البعض- من مختصات مذهبٍ معينٍ من مذاهب المسلمين! إذ أنها مما أجمعت المذاهب والفِرَق الإسلامية عليه، كالحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والظاهرية والمعتزلة والزيدية والخوارج... الخ، على مشروعيتها، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع.
أخلص في هذه الخاتمة إلى أن، للبكري اهتماماً خاصاً بالوسائط الصحافية والإعلامية، على الرغم من جنوحه إلى الصمت، ونأيه عن الأضواء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.  ولكن هذه المسؤولية الجديدة (رئاسة الوزراء)، تفرض عليه توجهاً مغايراً في تعامله مع هذه الوسائط الصحافية والإعلامية. ومن المهم أيضاً، أن يخصص لها مساحة زمنية، لضرورات انسياب المعلومة الموثقة من مصادرها الحقيقية.  ومن مهام الوسائط الصحافية والإعلامية، الرقابة على أداء الحكومة، وتبصيرها بمناظق الخلل والإعوجاج، بُغية التقويم والإصلاح، استناداً لمقتضيات المصلحة العامة. فليمكنها البكري من أداء مهامها، بيسرٍ وسهولةٍ. وليعلم الجميع أن الوسائط الصحافية والإعلامية ليست شرطة، ولا سلطة قضائية، ولكنها رقيبٌ مجتمعيٌ، لا غنىً عنها.  ولنستذكر مع البكري في هذا الصدد، قول الله تعالى «وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».
وقول الشاعر العربي أبي الطيب أحمد بن الحسين، المعروف بالمتنبيء:
وإذا كانتِ النُفوسُ كِباراً
تَعِبَتْ في مُرادِها الأَجسامُ