الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

 جنوب السودان.. وإغاثة الجار الجُنب الواجبة

لم يكن غريباً، مسارعة السودان، حكومةً وشعباً، فور إطلاق جنوب السودان نداءً دولياً، لإغاثة شعب جنوب السودان، ومساعدة حكومته في مواجهة المجاعة التي تضرب جنوب السودان حالياً، إلى التفاعل من أجل تقديم الإغاثات الواجبة،

والمساعدات المطلوبة، للجائعين والمحتاجين. ولم تكن مصادفةً أو تجملاً أن يوجه الأخ الرئيس عمر البشير، بتقديم عشرة آلاف طن ذرة لدعم المتضررين من المجاعة في جنوب السودان، إضافة لدعم رئاسي سابق تجاوز (27) ألف جوال ذرة ضمن جهود أخرى، بينها فتح المسارات لتوصيل المساعدات، وإيواء آلاف اللاجئين الجنوبيين.
وتناسى كثير من السودانيين مرارات انفصال جنوب السودان، وتداعياته من توتراتٍ ومشاداتٍ في علائق البلدين، كادت تعصف بكثير من وشائج القربى والتراحم بين الشعبين. ولكن ما أن وجهت حكومة السودان نداءً إغاثياً للمجتمع الدولي لمواجهة مجاعة تعصف بشعبها جراء حرب أهلية مستعرة منذ ثلاث سنواتٍ وبضعة أشهرٍ، إلا وتداعت المنظومات الحكومية والشعبية لمساعدة شعب جنوب السودان، وإغاثته، من خلال العديد من نداءات إغاثةٍ عاجلةٍ لشعب جنوب السودان. 
وأحسب أن هذه النداءات والمبادرات الوجه الإنساني للشعب السوداني، الذي تناسى مرارات الانفصال، وتوترات الخصام، بعد أن توجه الشعب الجنوبي في غالبية ساحقة إلى المطالبة بالانفصال، وحقق ما أراد عبر الاستفتاء، مع ذلك، تداعى الشعب السوداني لتقديم الغوث للشعب الجنوبي. ولم يدع السودانيون أن يواجه أهل الجنوب هذه المجاعة دون إغاثة من أهل الشمال، باعتبار أن هذه الأزمة، كارثة إنسانية، ذات طابع إنساني. فسارعت الوسائط الصحفية والإعلامية التقليدية وغير التقليدية، إلى التذكير بأن مجاعة جنوب السودان، بالضرورة أن ينهض السودانيون من أجل إغاثة الجنوبيين، عبر الجهود الرسمية والشعبية. فلا غرو أن وجد من بين هذه النداءات والمبادرات، هاشتاغ موقع التواصل تويتر عنوانه(غوث الشمال للجنوب.. نضخ الأمل في شريان الحياة والواج) ، بتداول واسع وسط الناشطين السودانيين. بينما كان هاشتاغ (نفير الجنوب، واجب ديني وأخلاقي سوداني)على فيسبوك هو الأكثر تفاعلاً بعدما حث الناشطون خلاله الحكومة السودانية على فتح الحدود أمام الجنوبيين (للعودة للوطن الأم، وتقديم العون اللازم لهم)، وهو ما حدث بالفعل بتوجيهات من الرئيس عمر البشير. وَمِمَّا يلحظ في هذا الشأن، أن الناشطين أظهروا كثير تعاطفٍ غير مسبوق مع الشعب الجنوبي، حينما ردد بعضهم شعارات توجب عون الجنوبيين كواجب ديني. وتساءل آخرون عن (هل يحق شرعاً أن ينام السودانيون شبعى وجارهم الجنوبي جائع؟).
فلا غرابة، أن أولت المنظومات الحكومية والشعبية اهتماماً كبيراً، بتقديم الإغاثة للجنوبيين، لمواجهة المجاعة التي تضرب بلادهم حالياً. وقد أولت الحكومة السودانية اهتماماً متعاظماً بهذه المجاعة، وأمر المساعدة الفورية في معالجة تداعياتها وآثارها على الشعب الجنوبي. وقال الأخ أحمد محمد آدم
مقرر اللجنة العليا للعون الإنساني، في تصريحات صحفية، أول من أمس (السبت)، " إن قضية المجاعة بجنوب السودان تجد اهتماماً متعاظماً وأولية قصوى من الحكومة السودانية على أعلى مستوياتها، ومن قطاعات المجتمع كافة، اعتباراً للعلائق التاريخية الوثيقة مع شعب جنوب السودان، وقياماً بواجب الأخوة والجوار، واستجابة للواجب الديني والإنساني"، مشيراً إلى حشد جهود المجتمع بقطاعاته كافة، من خلال تشكيل لجنة قومية، برئاسة المشير عبد الرحمن سوار الدهب لدعم المتأثرين بالمجاعة في جنوب السودان، والتخفيف من معاناتهم، ومعالجة الأوضاع الإنسانية المتردية. وفِي ذات الخصوص، سارعت منظمة سند الخيرية أول من أمس (السبت) إلى تفويج قافلة دعم تتضمن مواد غذائية متكاملة إلى لاجئي جنوب السودان في معسكرات ولاية شرق دارفور، حيث غطت هذه القافلة احتياجات أكثر من (1500 ) أسرة يرافقها فريق فني لدراسة الاحتياجات.
ولما كانت هذه المجاعة بمثابة كارثة إنسانية، وسبة في وجه العالم، لم تتوان صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية في افتتاحية لها أن تدعو المجتمع الدولي للتبرع بالأموال وتسهيل نقل المعونات العاجلة للجوعى في جنوب السودان، قائلة إن الفشل في ذلك يعد فشلاً أخلاقياً فادحاً للضمير الإنساني.
داعية في تلكم الافتتاحية، الولايات المتحدة الأميركية إلى الوفاء بوعودها للتبرع بالأموال كي تقدم المعونات الطارئة المطلوبة، والاستمرار في جهودها للوصول للسلام المطلوب للأمن الغذائي بالبلاد على المدى الطويل.
أخلص إلى أنه، من الضروري الإشارة هنا، إلى أن الكثير من السودانيين تفاعل مع قضية المجاعة في جنوب السودان، باعتبارها قضية إنسانية، الإغاثة فيها واجبة من منطلقاتٍ دينيةٍ وإنسانيةٍ. فلذلك تداعت شرائح المجتمع السوداني كافة، إلى ضرورة الاستجابة الفورية لتقديم العون والغوث للشعب الجنوبي الذي كان شريكاً لنا في الوطن، والآن نظير لنا في الخلق والإنسانية، إضافة إلى أنه أصبح بعد الانفصال الجار ذي القربى والجار الجُنب اللذين يجب أن نحسن إليهما، بأمر رباني، حيث يقول الله تعالى في محكم تنزيله، وبديع آيه: (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا).
ولنستذكر جميعاً في هذا الصدد، قول أبي أسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، المعروف بأبي العتاهية:
لا تحقرن من المعروف أصغره
إحسن فعاقبة الإحسان حسناه