الثلاثاء، 28 مارس 2017

board

لماذا يبقى المدين محبوساً إلى حين السداد؟ (1)

بدعوة كريمة من الأخت الدكتورة زُحل محمد الأمين الأستاذة في كلية القانون بجامعة النيلين، شاركتُ في فعاليات ورشة نظمها"كرسي النيلين لحكم القانون ومكافحة الفساد"،

بعنوان"حبس المدين إلى حين السداد ومبادئ حقوق الإنسان" يوم الإثنين الماضي في قاعة الصداقة بالخرطوم.  فأثارت هذه الورشة، كما هو متوقعٌ لها، كثير جدلٍ، وبعض لغطٍ، حول الموضوع المطروح للنقاش، إذ تفرق دم الموضوع بين مؤيدٍ لحبس المدين بالإطلاق، ورافضٍ لحبس المدين المعسر. واشتط بعضهم في المطالبة بحبس المدين المعسر، حتى الموت وألا يصلى عليه عند موته، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بحُجية أن الكثير من المدينين المحبوسين يماطلون في سداد ما عليهم من دين.  ولم يكن اتحاد أصحاب العمل غائباً عن هذا الجدل، إذ شارك ممثله الأخ سمير أحمد قاسم في المجادلة حول هذا الموضوع، وكأني به أراد الإنابة عن الدائنين، حيث رفض رفضاً قاطعاً إلغاء المادة (179) في القانون الجنائي لسنة 1991 أو السعي إلى تعديلها، لأن في ذلك، من وجهة نظره، تشكل مهدداً خطيراً من مهددات الاستثمار، ومن ثم الاقتصاد الوطني، باعتبار أن هذه المادة القانونية الضمان الوحيد في التعامل وحماية أموال المستثمرين. وكان حجاجه في ذلك، خشيته من أن تعديل أو إلغاء هذه المادة القانونية في هذا الوقت، ترسل رسالة خاطئة لأصحاب العمل والمستثمرين معاً، مما يؤدي إلى انهيار التنمية المرتقبة والاقتصاد المستنهض، مؤكداً أن اتحاد أصحاب العمل السوداني يظن – وليس كل الظن إثماً - أن صلاح الأمر، والمصلحة العليا يقتضيان الإبقاء على الوضع على ما هو عليه حالياً، وذلك بتجريم كل من يحرر أو يظهر الشيك المرتد، وحبس المدين إلى حين سداد دينه.  وقد شاركتُ بمداخلة حول هذه المسألة، سأُفصلها في ثنايا الحلقات المقبلات عن "لماذا يبقى المدين محبوساً إلى حين السداد".
وأحسب أن المصارف التجارية، تذهب ذات مذهب الأخ سمير أحمد قاسم في الإبقاء على هذه المادة القانونية، لضمان سداد المدين لدينه، رغبةً ورهبةً، والحفاظ على سلامة وصحة اجراءات المداينة، والإيفاء بالعهود والعقود، لأن مكاتبة الدين، فرضاً دينياً، وتقوىً وتديناً، تصديقاً لقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ".
وأحسب أنه من الضروري قبل أن أدلف إلى لُب الموضوع، ينبغي أن نؤصل لمفهوم الإعسار، لغةً واصطلاحاً وفقهاً، لا سيما وأن الوسائط الصحفية والإعلامية التقليدية وغير التقليدية، لم تكن من ضمن شهود عيانٍ لتلكم الورشة، إلا القليل، فكثير ما طُرح فيها، كان تلقيه سماعاً، وليس كفاحاً.  فكي نُحسن المجادلة، ينبغي أن نُحدث قدراً من المثاقفة الفقهية في أمر الإعسار ودرجاته، لإحداث قدرٍ من المقاربة ما بين الإعسار والحيثيات القانونية للحبس إلى حين السداد، سواء أكان ذلكم تطبيقاً لنص المادة (243) في قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 أو المادة 179) في القانون الجنائي لسنة 1991.)
فمفهوم الإعسار هو ألا يجد المرء في ملكه ما يؤديه بعينه، ولا يكون له مال لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه.  أما الإعسار لغةً، الأمر عسراً مثل قرب قرباً وعسارةً بالفتح فهو عسير أي صعب شديد ومنه قيل للفقر عسر.  وقال أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري:  عسر:  العٌسْرٌ ضدّ اليٌسْر وعسر الأمر ضاق.  وعسر عليَّ فلان:  خالفني ورجل عسر وهو نقيض السهل.  ولا تعسر غريمك ولا تعسره لا تأخذه على عسرةٍ ولا تطالبه إلاّ برفق.
والعسر اصطلاحاً:  وانصبت تعريفات الفقهاء للإعسار، على أن المعسر من لا فلوس له، ولتباين ذلك أورد الفقهاء مسألة الإعسار في تصانيفهم ومؤلفاتهم في أبواب الحجر والفلس.  ولبيان أن لفظ الفلس من الألفاظ ذات الصلة بلفظ عسر، نقل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن الإمام مالك بن أنس قوله: الفلس شرعاً "من قصر ما بيده عما عليه من الديون"، فيقال أفلس الرجل كأنه صار إلى حال ليس له فلوس.  كما يقال له أقهر إذا صار إلى حال يقهر عليه. والجمع مفاليس، وحقيقة الانتقال من حالة اليسر إلى العسر.  وقال أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد: " الإفلاس في الشرع يطلق على معنيين: أحدهما أن يستغرق الدين مال المدين فلا يكون ماله وفاء بديونه، الثاني أن لا يكون له مال معلوم أصلاً".
وقد تناول جمهور الفقهاء الإعسار وأحكامه على اختلاف مذاهبهم، وبالنظر إلى ما اتبعوه في تبويباتهم لم يتطرقوا إليه منفصلاً، وإنما أدخله البعض في باب الحجر وأحكامه أو في أحكام الرهن والتفليس، وحتى اللفظ نفسه تباين فأطلق الغارم والمعسر والمديان والمفلس.  ومن المسائل المتعلقة بالإعسار تفرعت مسائل اتفقوا فيها وأخرى اختلفوا فيها، ومنها جواز حبس المعسر من عدمه، ومن يقبل إعساره وشروط قبول البينة على الإعسار.
أخلص إلى أنه، يتضح لنا جلياً من التعريفات التي أوردناها عن العسر، أنه ملازمٌ لحالة الإفلاس، ومتعلق بلفظ الفلس فقد ذكره الفقهاء ضمن مصطلح الفلس، لتبيان معنى الإعسار وهو لا يخرج عن حال الفقر، إما بأن يستغرق الدين مال المدين كله أو لا يكون له مال معلوم أصلاً، وبالموازنة بين تعريف العسر أو الإعسار لغةً واصطلاحاً، يٌلحظ اتفاقهما في بيان أن الإعسار ضد اليسر، والأمر نفسه، لبيان معنى الإعسار في اللغة والاصطلاح، قد وافق ما جاء في كتب التفسير في بيان معنى الإعسار في قوله تعالى: "وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ".  ولم يذهب أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي الرازي، المعروف بفخر الدين الرازي في شرح العسر، حيث قال: " العسرة اسم من الإعسار، وهو تعذر الموجود من المال، يقال أعسر الرجل إذا صار إلى حالة العسرة وهى الحالة التي يتعسر فيها وجود المال".
وعلى الرغم من أن موضوع حبس المدين إلى حين السداد الذي انتظم في "كرسي النيلين لحكم القانون ومكافحة الفساد"، لم يتقيد بالفهم اللغوي والأكاديمي، لمعنى ورشة عمل، فورشة العمل بالمفاهيم الأكاديمية، تعني حلقة دراسيّة أو سلسلة من الاجتماعات لمجموعة صغيرة من النَّاس تؤكِّد على التَّفاعل والتَّعاون، في دراسة نقدية لوثيقة أو موضوع ما، فهي أي هذه الورشة، وإن كان حضورها قليل العدد، إلا أنها توزعت قضاياها بين تخصصاتهم، وتنوعت مخرجاتها في اهتماماتهم. فالموضوع كثير التشعب، فلا غرو أن انداحت مناقشاتهم بين المؤيد والرافض، الآخرين الذين ركنوا إلى فقه المعتزلة، حيرةً واضطراباً، لا فهماً واعتقاداً، في تحديد موقفهم من هذه القضية، بأن التزموا المنزلة  بين المنزلتين.