الخميس، 30 مارس 2017

board

لماذا يبقى المدين محبوساً إلى حين السداد؟ (2)

مما لا ريب فيه، أن الورشة التي نظمها "كرسي النيلين لحكم القانون ومكافحة الفساد"، حول "حبس المدين إلى حين السداد ومبادئ حقوق الإنسان" يوم الإثنين الماضي في قاعة الصداقة بالخرطوم،

أحدثت قدراً مهماً من الحراك القانوني وغير القانوني في معالجة هذه القضية التي شغلت تداعياتها دوائر اهتمام الوسائط الصحفية والإعلامية التقليدية وغير التقليدية.  ولم ينته المجتمعون إلى مخرجاتٍ محددةٍ من هذه الورشة، لتباين الآراء والرؤى حول هذه القضية وتداعياتها، فاستمسك المؤيدون لحبس المدين، بالنصوص القانونية التي تدعو إلى حبس المدين إلى حين السداد، رافضين رفضاً قاطعاً إلغاء المادة (179) في القانون الجنائي لسنة 1991 أو السعي إلى تعديلها، لأن في ذلك، من وجهة نظرهم، يُشكل مهدداً خطيراً للاستثمار، ويُحدث اضطراباً كبيراً في الاقتصاد، باعتبار أن هذه المادة القانونية الضامن الوحيد في التعاملات المالية، وحماية أموال المستثمرين . بينما توجه نفرٌ غير قليل إلى ضرورة مراجعة هذه المادة، لتتماشى مع روح الشريعة الإسلامية، ولا تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، وذلك من خلال رفض حبس المدين المعسر، البين إعساره.  وفِي اشتطاطٍ غير معهودٍ في مثل هذه الملتقيات، انبرى أحدهم مطالباً بحبس المدين المعسر، حتى الموت وألا يصلى عليه عند موته، ولا يدفن في مقابر المسلمين، بحُجية أن الكثير من المدينين المحبوسين يماطلون في سداد ما عليهم من دين.
وأشرتُ في مداخلتي إلى ضرورة المزاوجة بين حبس المدين إلى حين السداد، بالنسبة للمدين القادر الذي يُماطل في سداد دينه، تباطؤاً أو تعمداً، على الرغم من إمكانات توفر مُعينات السداد. وربما في قرارة نفسه أضمر أكل أموال الناس بالباطل أو طمع في عفو الدائن، فمثل هذا يجب حبسه إلى حين السداد.  وقد يرغمه أهله، مضاغطةً على ضرورة السداد، فَلَولا هذا الحبس لاستمرأ عدم السداد، ولم يخشَ تداعياته، ويحدث ضرراً بالغاً بالدائن فرداً كان أم منظومة. ولما كان حبس المدين القادر ضرورة من ضرورات العدالة، لأنه إذا حُبس المدين القادر، يظهر ذووه وأهلوه، لإخراجه من الحبس، حتى وإن كان غير راغبٍ في ذلك.  أما إن كان كاذباً فلا يتجرأ أحد على إخراجه حتى إخوته، وللقاضي سلطته التقديرية في الإعسار أو الإبقاء والقضية لها جوانب اقتصادية تستوجب إبقاء العقوبة الرادعة.  وحرص المشرع على حماية الحقوق، ففي المادة (179) من القانون الجنائي لسنة 1991، شدد على القبض على المتهم، وعدم إطلاق سراحه إلا بعد إيداع مبلغ مالي يعادل فيه الدعوى الجنائية، وأي إلغاء لتلك المواد يؤدي للتلاعب بحقوق الآخرين . فلا غرو أن الأخ سمير أحمد قاسم  ممثل اتحاد أصحاب العمل في تلكم الورشة، أن دافع باستماتة في رفض إلغاء المادة (179) في القانون الجنائي لسنة 1991 أو السعي إلى تعديلها، لأن في ذلك، من وجهة نظره، تشكل مهدداً خطيراً لبيئة الاستثمار ومناخ الاقتصاد.
وفِي ما يتعلق بالمدين المعسر، فهذا يجب ألا يُحبس، باتفاق الفقهاء، إذ أن حكمه يدخل في منطوق قول الله تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). فالإعسار فقهاً قبوله وإثباته:  جاء في كتاب "فصول البدائع في أصول الشرائع" لمحمد بن حمزة بن محمد شمس الدين الفناري: "الحبس على نوعين:  أحدهما حبس المدين بما عليه من الدين، فإن طلب صاحب الدين الحبس من القاضي واشتبه على القاضي حاله في يساره وإعساره ولم يقم عنده حجة على أحدهما وطلب الغرماء حبسه فإنه يحبس ليتعرف عن حاله أنه فقير أم غني". وورد في الشرح الصغير لأبي البركات أحمد بن محمد بن أحمد الدردير المالكي: " حبس المفلس بثبوت عسره إن جٌهِلَ حاله لا إن علم عٌسره". وذكر بن فرحون المالكي نقلاً عن القرافي في بيان المشروع من الحبس ما نصه "حبس من أشكل أمره في العسر واليسر اختباراً لحاله, فإذا ظهر, حكم عليه بموجبه عسراً ويسراً". وقال أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمَّاعيلي الحنبلي: "ومن وجب عليه حق فذكر أنه معسر به حبس إلى أن يأتي ببينة بإعساره".
أخلص إلى أنه، من الضروري الإشارة هنا، إلى اتفاق الفقهاء على حبس مدعي الفلس الذي يدفع بالإعسار ويشتبه في حاله فيكون الحبس لمظنة أنه على الملاء فيؤدي حبسه إلى قيامه بأداء الدين أو يثبت إعساره بأن يأتي بالبينة على إعساره، وتبعاً لذلك اختلف الفقهاء فـي جواز سماع البينة على الإعسار ووقت سماعها وقد أجاز أبو حنيفة سماعها، وعند الإمام مالك حٌكي عنه قوله: "لا تسمع البينة على الإعسار لأنها شهادة على النفي"، وعند الحنابلة "سماع البينة على الإعسار مقبول وتسمع كسائر البينات التي تسمع في الحال". وعند الشافعية "تٌسمع على الرغم من أنها شهادة للنفي قبلت للحاجة". وبالنظر إلى آراء الفقهاء، فالحنفية والشافعية أجازوا سماع البينة على الإعسار مطلقاً والإمام مالك حٌكي عنه عدم جواز ذلك، وعلل أنها بينة على النفي لا تقبل, والشافعية أجازوا رغم أنها بينة على النفي إلا أنها تقبل للحاجة. وأحسب أنه إذا استنفد المدين حقه في الاستئناف والطعن، ومراحل التقاضي كافة، وأصبحت هذه الأحكام نهائية، عليه, فإن  تنفيذها أصبح أمراً واجباً، وحبسهم إلى حين الوفاء يتبع صحيح القانون إعمالاً لمنطوق المادة المذكورة.  ومن ثم ينتفي وصف هؤلاء بالمظلومين، وهو موقف عاطفي، لا يستقيم عقلاً ولا قانوناً، ويتنافى مع المطالبة بضرورة توخي العدالة.  ومن الضروري الموازنة بين حق الدائن في الحصول على مديونيته، وواجب المدين في سداد دينه.
وفِي خاتمة هذه العُجالة، لابد من البحث لمعالجاتٍ، بالنسبة للمدين العاجز عن سداد دينه، وذلك من خلال أموال الزكاة، وتبرعات المحسنين، ومساهمات المنظومات الخيرية.  فقد أشارت إدارة السجون في تلكم الورشة، إلى ارتفاع النفقات على المحبوسين في السجون بسبب الديون التي قالت إن المبالغ المنفقة عليهم تفوق 40 مليون جنيه سنوياً على الملبس والمأكل والعلاج والترحيل من وإلى المحاكم .
ونُعد بعض هؤلاء من الغارمين وهم أقسام:  فمنهم من تحمل حمالة أو ضمن ديناً فلزمه فأجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب فهؤلاء يدفع إليهم، لما روي عن أبي سعيد الخدري، قال:  أصيب رجل في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: "تصدقوا عليه"، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك".
ولنستذكر جميعاً في هذا الصدد، قول الله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).